Mahmoud Fayez

Mahmoud Fayez

Thursday, December 9, 2010

قلب واسع


جلست على مكتبها .. الدكتورة مديحة محمود رئيسة تحرير مجلة "قلب واسع" .. والتي انتشرت كثيرا مؤخرا حيث أنها من أكثر المجلات المطروحة حاليا احتراماً .. وتساهم بالمواضيع الهادفة وحملات تنمية الشباب وجمع التبرعات في تحسين واضح في المجتمع.

كان الوقت ليلاً .. وهو وقتها المفضل في العمل المتأني .. والذي يتطلب القراءة بالقلب وليس بالعقل.

فـهي تحب أن تعمل صباحاً في الأعمال الإدارية كرئيسة تحرير .. ثم تعود للمنزل لتلبي احتياجات أبنائها من مراجعة الدروس وإعداد الطعام والغسيل والكي وما إلى ذلك.

ثم تجلس ليلاً بعد نوم الجميع مع أصدقائها الخالدين .. الورقة والقلم .. حاولت كثيرا الاستعاضة عنهم باللابتوب ولكن دائما ما كانت تشعر بالحنين للأسلوب القديم .. الكتابة .. المسح .. الشطب تعشق كل هذا.

وما تفعله ليلاً يكون شيئا من اثنين .. إما كتابة مواضيع جديدة متأملة في الحياة .. ومن يحيا الحياة من حولها .. لتغوص في نفسيات وضمائر الجميع لتفهمهم وتدرس خبايا النفس البشرية ..أو مراجعة طلبات الفقراء والمرضى الذين يرسلون احتياجاتهم مع ما يثبت صحة أمراضهم من أوراق رسمية من الأطباء أو المستشفيات (التي كثيراً ما تقود ضدهم أشرس الحملات).

كان اليوم مخططاً للطلبات .. وهو شيء تكرهه بسبب ما يبثه في صدرها من أحزان وأمراض ومآسي لا حصر لها .. ومع ذلك فهي تحبه لما تراه بعدها من سرعة في المساعدة من القراء مما يثبت صحة رأيها وإيمانها بالخير الموجود في المجتمع .. وتحبه أيضاً لرؤية الفرحة والامتنان في عيون من تُحَل مشاكلهم.

جاءت الطلبات كالمعتاد .. كئيبة .. ثقيلة .. ولكن ليس بها الجديد .. نفس الأمراض المعتادة .. والاحتياجات المتكررة.

مثلاً .. شاب في الخامسة والعشرون .. فقد نظره بعد رؤية الزحام والبلطجة في الشوارع والمرضى والمتسولون .. كان يعاني أصلاً منذ الصغر من ضعف النظر بسبب المشاهدة الدائمة للدخان والقمامة ودرجات السلم المكسور .. وبعدماً رأى خيانة الأصدقاء وضياع حب عمره وتخلي الجميع عنه لم يعد قادراً على الرؤية مرة أخرى. ويرغب في عينين جديدتين يرى بهما التفاؤل والسعادة والحب والحدائق الغناء والشوارع الواسعة والأشخاص المتحضرين.

بالطبع قررت دكتورة مديحة عدم المساعدة في هذه الحالة .. حيث أنه يريد رؤية أشياء انقرضت بالفعل .. ولا يصح تبديد المساعدات على أحلام خيالية.

حالة ثانية هي لرجل في الأربعين .. يملك النقود للقيام بالعملية الجراحية .. ولكنه بعد عامين من البحث المضني .. لم يجد حتى الآن ضمير سليم لزراعته .. كل ضمائر البلد متوقفة عن العمل .. أو تعاني من الكسل والنوم المفاجئ في أوقات عشوائية غير متوقعة .. وهو على استعداد كامل لدفع كل مصاريف العملية خارج الدولة .. ولكن يرجو المساعدة من سفارتنا بالخارج لمساعدته في البحث عن ضمير مازال يعمل ولو بنصف كفاءته.

الحالة الثالثة لشاب ثلاثيني يرغب في العرض على طبيب مجاناً لعدم توافر أي مبلغ مادي معه حالياً .. فقد قام بصرف أخر ما تبقى له من إرث والده الذي توفى مختنقاً في أحد طوابير المصالح الحكومية .. أخذ الشاب شهادته الجامعية وطبع منها الكثير من النسخ التي ظل يرسل منها إلى مئات .. بل ألوف .. الشركات والمصالح والمؤسسات والمنظمات .. في داخل وخارج الدولة .. بلا جدوى .. حتى لم يعد هناك أمامه أي حل بخلاف المقاهي التي يجلس عليها .. في انتظار أي صديق يدعوه لكوب شاي ساخن .. علماً بأن الدواء القديم "الطموح" قد تأقلمت عليه وظائف جسده .. فلم يعد يريحه .. ونصحه طبيب أخر بدواء أخر اسمه "الأمل" .. حتى أصبح الأخير غير ذي جدوى أيضاً .. ويرغب في العرض على طبيب يصف له دواءاً جديداً .. أو يواجهه بالحقيقة إن لم يكن هناك أملاً في علاجه.

الحالة الأخيرة .. شريفة كامل .. أمرآة في الخمسين .. تبحث عن متبرع يرغب في التبرع بقلبه .. حيث أن قلبها لم يعد يعمل جيداً ..وامتلأ عن آخره بالكره والحقد لما رأته من ظلم وفقر وقهر .. ثم زاد على ذلك أن أرسلها ابنها الوحيد لدار مسنين نزولاً على رغبة زوجته .. وهنا حدث العطب بقلبها المسكين .. فتوقف تماماً عن الحب .. حتى أنها كرهت ابنها .. فتطلب فقط قلب جديد قادر على أن يحب مرة أخرى .. للتمكن من أن تسامحه.

كلمة الدكتورة سناء عبد الله .. رئيسة التحرير الجديدة لمجلة قلب واسع:

قرائي الأعزاء .. اعلم انه يصعب علينا جميعا تقبل مجلتكم "قلب واسع" بدون صديقة عمري الدكتورة مديحة محمود .. فهي ليست فقط رئيسة التحرير السابقة .. بل أيضاً هي المؤسسة لهذه المجلة التي طالما ساعدت بالخير والنصح والمواضيع الهادفة لشعبنا الطيب الجميل .. وأطلب منكم أن تدعوا لها معي .. لعل هذا المرض النفسي - الذي بالتأكيد سمعتوا عنه جميعاً في الفضائيات طوال الأسبوع الماضي – مرضاً مؤقتاً .. فهو كما قال الأطباء مجرد ذهول اكتئابي ناجم عن صدمة أو حزن شديد .. لا نعلم ما سبب حزنها الشديد رغم نجاحها الباهر .. ولكن أتمنى أن يصِح قول الأطباء كون هذا المرض مؤقت .. وفي انتظار عودتها لنا سالمة مرة أخرى .. وأعدكم بالحفاظ على مستوى المجلة كما تعودتم في وجودها

رئيسة التحرير: سناء عبد الله"

Wednesday, September 22, 2010

عايز أنام

رفع الشرطي مقدماً كان أو عقيداً أو عميداً .. يده الباطشة التي لا ترى إلا مؤخرات أعناق المجرمين وهوت بكل قوة محدثة دوياً مرعباً .. لم يشعر متلقي الضربة بالألم لما شعر به من الخوف من صوت الضربة .. ثم قال الشرطي .. "بسم الله .. نبدأ المحضر"

قال المجرم: "يا باشا طيب حضرتك ماتعرفش أنا جيت هنا ليه! مش تسأل الأول وبعدين تضرب؟"

الشرطي: "أنت حاتعلمني شغلي يا روح أمك؟! .. والله لولا أن إيدي اتوجعت من قفاك كنت ضربتك تاني"

المجرم: "الحمد لله يا باشا .. الف سلامة على إيد سعادتك"

الشرطي: "اسمك ايه ياض؟"

المجرم: "خدامك ... ... ... ... الضربة نستني اسمي يا باشا!!!"

الشرطي: "مش مهم يا خويا .. وانا كنت يعني حاناديك باسمك؟ .. نكتب المحضر باسم البهيم؟ ولا باسم (....)؟"

المجرم: "يا باشا مافيش داعي للألفاظ دي"

الشرطي: "بس يا (...) ... قوللي ... سيادة اللواء قاللي أمرمط بيك الأرض عشان المصيبة اللي عملتها .. عملت ايه يا (....)"

المجرم: "تاني (...) يا باشا؟"

الشرطي: "شكلك مش حاتتعدل يا ابن ال(....) غير لو دخلتك عند اللي حايربيك"

نادى الشرطي الصول الواقف بجوار الباب وعند دخوله قال له: "خد ال(....) دا ... وديه عند بسيوني .. قوله الراجل دا عامل راجل .. ومش عايزينه يحس بكده تاني .. يجرب معاه طريقة (النووي) أو يا ريت كمان يعمله (النووي الجهنمي) لو الجهاز مشحون .. بعد ما يخلص لو كان بيعرف يتكلم هاته .. لو ماعرفش هاتهولي بكرة"

ضرب الصول المجرم على مؤخرة رأسه ضربة صول بصحته ... أقوى كثيراً من ضربة الشرطي المرفه (خريج المدارس) .. وسحب المجرم من ياقة قميصه وأثناء خروجه قال الشرطي: "ماتخليش حد يدخل لحد ما أصلي الضهر والسُنة"

***

دخل المجرم اليوم التالي على الشرطي وما أن رآه حتى قال: "هو انت يا مجنون يا ابن المجانين؟"

المجرم: "لأ يا باشا ... أنا (...)!!"

الشرطي: "بقى يا مجنون .. فاكر نفسك ممكن تفَجَر بيت سيادته بأنابيب البوتاجاز؟"

المجرم: "يا باشا أفَجَر ايه بس؟ والله ما كنت أعرف ان دا بيته"

الشرطي: "حاتستهبل يالا؟"

المجرم: "يا باشا والنبي باحبك لما تناديني ب(...) .. انا أشرحلك يا بيه .. أنا أصلاً من حارة اسمها (المظاليم) .. في مصر القديمة .. حارة يا باشا كلها ناس غلابة حتى احنا مسمينها (المهروسين) .. وفي ناس تانية بيقولوا عليها اسم تاني مايصحش يتقال في محضر رسمي ..."

الشرطي: "كفاية رغي يا ابن ستين (...) .. اياكش تولع انت وكل المهروسين بتوعك .. المهم .. وبعدين؟"

المجرم: "لامؤاخذة يا باشا ... أنا بقى شغال بتاع أنابيب أساساً .. ولما كنت بأدور عالبيوت .. عرفت ان عضو مجلس الشعب عن حتتنا امه اتوفت .. غالباً من دعانا عليه .. ومن غضب ربنا عشان الراجل دا غشاش وكداب ومزور وبلطجي وحرامي وفلاتي وماحدش سمع مرة انه عمل خير .. وطبعاً يا باشا قالولنا نروح نعزيه عشان يبان انه محبوب من أهل حتته .. والعزا كان في جامع في مصر الجديدة .. في مكان عمري ما رحته .. عند نادي كده اسمه نادي فلتيبوليس ولا هنتيبوليس ... المهم انه جنب بيت الريس اسم الله عليه .. وأنا مروح بقى ومش عارف الطريق ... بدل ما أدخل شارع صلاح سالم سيادتك ... دخلت عند بيت سيادته ... ولما لقيت ناس بتهجم عليا من كل ناحية .. وقعت بالماكنة .. والأنابيب وقعت مني .. وافتكروني عايز أعمل مشاكل ... ولما قلت للباشا الظابط هناك أني ماعرفش الطريق وباشوف لو فيه تخريمة ... قاللي أنا حاعملك تخريمة مش حاتنساها .. ويا باشا عليا الطلاق الراجل قد كلمته وعمري ما حانساها فعلاً"

قطع حديثهم دخول عسكري مهلهل في حالة يرثى لها .. قال للشرطي: "شاي سعادتك يا فندم"

ووضع الكوب الزجاجي الذي يخرج منه الدخان بغزارة تنم عن غليانه بزمة!

بعدما خرج العسكري المهلهل قال الشرطي للمجرم: "أهبل أنا عشان أصدق الكلام دا؟"

المجرم: "يا باشا وأنا يعني معقول أحاول أفجر بيت بحراسة وهيلمانة ودا كله وكل اللي معايا أنبوبتين بوتاجاز؟"

الشرطي: "ما هو الجهلة أمثالك لا يمكن مخهم الوسخ اللي متربي في مدارس زبالة يطلع بفكرة أحسن من كده"

المجرم: "مدارس ايه يا باشا؟ .. مافيش حد من حارة المهروسين دخل مدارس .. الوحيد اللي دخل مدرسة خرج من تالتة ابتدائي عشان يوم راح الصبح المدرسة متأخر لقاها وقعت عالعيال .. ودا الوحيد اللي بيفك الخط في المهروسين!"

الشرطي: "أنت شكلك جاي تتلامض .. وعايز تتربى"

وفي حركة سريعة .. ودون أدنى فرصى لتفاديها .. ألقى بكوب الشاي المغلي في وجه المجرم .. الذي لم ينتظر الاحساس بالألم كي يصرخ: "آاااااااااااااااااااه"

*****

قال الشرطي للمجرم: "سيادة اللواء ... يا سيادة اللواء .. " .. ثم نادى العسكري قائلاً: "يا صميدة .. حتة مبلولة بسرعة وتعالى أمسح الشاي اللي أتدلق دا"

قام اللواء سريعاً وأخذ يمسح الشاي الذي لم يعد ساخناً بعدما نام على مكتبه وغرق في سبات عميق مصحوب بهذا الكابوس

قال الشرطي: "ايه يا باشا؟ كابوس تاني؟"

أومأ اللواء برأسه موافقاً

الشرطي: "برضه مش عايز تحكي؟"

تردد اللواء قليلاً .. خوفاً من أن يعتقد الشرطي الأقل منه رتبه أنه بدأ يضعف أو يشعر بتأنيب ضمير إزاء بعض الأعمال التي طالما اعتبرها ضرورية في عمله .. وقال: "بلاش أحسن ... لحسن تتحقق"

الشرطي: "براحتك سيادتك"

وقف اللواء قائلا: "أنا حامشي .. مش عايز أتأخر النهاردة .. أرَوَح أشوف أي فيلم فاشل مع تهاني كالعادة وأنام .. بس يارب مايجيليش كوابيس النهاردة"

الشرطي: "ان شاء الله يا باشا .. والواد اللي سرق شقة صاحبه دا حانرَوَقه زي ما قلت ونمشيه"

اللواء: "لأ .. ماتعملوش حاجة .. خليه يرَجَع اللي سرقه ومشيه"

نظر له الشرطي متعجباً .. ولكن وجه اللواء لم يظهر أي تعبير .. ثم أنصرف من المكتب دون أي كلمة أخرى.

****

استيقظ اللواء فجراً صارخاً أثر كابوس جديد .. أضاءت زوجته (الأباجورة) التي بجانبها وقالت: "كابوس تاني يا جابر؟"

لم يجبها جابر .. وظل يلهث وهو يحاول جاهداً ملء صدره بالهواء

قالت: "ما تروح للدكتور يا أخي .. الموضوع كده زاد عن حده"

جابر: "عايزة الناس تقول الراجل اتجنن؟!"

قالت وهي تدير له ظهرها: "الراجل؟"

أطفأت (الأباجورة) مرة أخرى لتنهي الحديث بكلامها قائلة: "هو انت من يوم ما حلمت بنفسك عالنووي الجهنمي بقيت نافع؟ .. نام نام"

****

ظل طوال الليل ينظر لظهرها في الظلام .. بكل كراهية وغل واشمئزاز .. وفي الصباح .. وقبل نزولها للعمل مباشرة .. قال لها "فيه كام كباية مش نضيفة في المطبخ .. سيبيهم وأنا حاغسلهم لما أرجع"

كان يعلم تماماً ما ستقوله: "لأ .. أضمن منين مايجيبوش نمل؟! .. ما أنا لو ماعملتش كل حاجة بنفسي البيت يبوظ"

كان يعلم أنها ستقوم بغسيل الأكواب .. ليس خوفاً من أي شيء .. ولكن حرصاً منها على الاهانة والنكد والتحقير من تصرفاته والتأكيد على براعتها وغطرستها

بعد دقيقة قال: "أنا نازل ... سلام"

قالت: "انزل ... انت فارقة معاك؟ .. أتأخر أنا على شغلي عشان تشرب شاي بالليل براحتك"

لم يحزن .. بل ضحك بسعادة وغادر المنزل

****

بعد دقائق انتظرها جابر مختبئاً .. نزلت زوجته وركبت سيارتها وذهبت بها .. أخرج جابر محموله .. وطلب الشرطي المساعد له و قال: "باقولك ايه يا ابو حميد .. عايزك تكلم أي حد في قسم العجوزة .. وتقوللهم ان العربية بتاعة المدام اتسرقت .. كانت لسه هنا من عشر دقايق .. خليهم يشوفوا اللجنة اللي عند مطلع الكوبري يمكن يلاقوها .. يكون اللي خدها مالحقش يبعد ... ايه؟ ... ماشي ... 23453 .. ملاكي الجيزة .. بسرعة بقى وحياة والدك"

بعد عشرة دقائق رن محمول جابر فأجابه قائلاً: "ايوة يا أبو حميد .. لقيتوها؟ .. واحدة ست؟ .. مراتي ازاي يعني؟ .. معاها بطاقة؟"

كتم ضحكته بصعوبة وهو ينظر لبطاقة ورخصة ومحمول زوجته فوق الكرسي المجاور له .. وتذكر كيف أستغل غطرستها لتدخل للمطبخ ليتمكن من أخذهم من حقيبتها قبل نزولها مباشرة.

بعدما تماسك وأجبر نفسه على كتم ضحكته قال لمحدثه: "لأ طبعاً .. مراتي قاعدة جنبي أهو .. وكمان لسانها طويل وقليلة الأدب معاكوا؟ .. تسرق عربية لواء .. وتشتم الظباط .. وفاكرة كدة حانتخض ونسيبها .. دا انتحال شخصية يا ابو حميد .. باقولك ايه .. نص ساعة كمان .. لو مصممة انها مراتي .. قول لمأمور العجوزة أزاي عندنا بنعمل (النووي الجهنمي) .. خليها تتربى"

أغلق جابر المحمول بسعادة بالغة ..قال محدثاً نفسه: "ما بقتش نافع بعد الجهنمي؟! .. أما أشوف حاتعملي ايه انتي بعده ... على الأقل أنا جربته في حلم بس" ... وقام بطلب رقم أخر وقال: "ألو .. الهيلتون؟ .. كنت عايز أحجز غرفة لفرد واحد .. لأ بد أند بريكفاست بس .. مش عايز أي خدمات ... أنا عايز بس أناااااااام"

Sunday, May 16, 2010

السجن

جلس الرائد محمد حسام على مكتبه يطالع أوراق تلك الجريمة التي استحوذت على الرأي العام رغم إنها لم تحدث ولم يعلن عنها إلا منذ ظهر أمس

كانت الجريمة هي مقتل رجل الأعمال الشهير رفيق عبد الله أبو المكارم

رجل الأعمال الشهير بأعماله التجارية .. وأيضاً الشهير بسوء أخلاقه وسمعته!

كان يستعد لركوب سيارته أثناء نزوله من مكتبه في وقت متأخر من الليل بصحبة السائق الخاص به .. وإذا بشخص مجهول يناديه وعند استدارته قام بضرب رأسه بفأس فشقها وترك الفأس منغرساً في رأسه ولاذ بالفرار ولم يتمكن السائق من مطاردته ليبقى بجانب رجل الأعمال الذي لفظ أنفاسه في ثوان قبل وصول أي نجدة.

كان الرجل يتمتع بموهبة عظيمة في التنبؤ بكل ما يمكن أن يتحول إلى مكسب.

يتنبأ بممثلين المبتدئين ويتوسم فيهم المستقبل ويتبنى موهبتهم وإذا بهم يصبحوا من صفوة أهل الفن و هو منتج أفلامهم.

يتنبأ بالتيار الثقافي السائد ويبدأ في الترويج له .. من قنوات دعاية إسلامية أو برامج للطهي أو برامج رياضية مع مذيعين يعتقد أنهم سيكونون المطلوبين في كل البرامج لاحقاً .. وهو ما يحدث غالباً بعدما يكون قد وقع معهم عقود احتكار.

خلاصة القول أنه حقا موهوب وذو فراسة نادرة في التخطيط والدخول في صفقات يندر أن تفشل.

و هو أيضا يدخل في علاقات يندر أن تفشل .. فهو ثري .. وسيم .. ليس شاباً يبدوا صغيراً في نظر الكبيرات .. وليس شيخاً تأباه الصغيرات.

فتعود على وجود النساء في حياته .. أما عن رغبة فيه .. أو في نقوده .. أو خوفاً من بطشه.

لم و لن ينسى أحد تلك الفتاه المسكينة الفقيرة التي اتهمته بالتحرش بها وبعد يومين سحبت أقوالها و قالت أنها فعلت ذلك بسبب طمعها في تعويض مادي غير مستحق .. ثم اختفت اختفاء تام ..سيظل هناك دائماً شيئاً مريباً في تلك القصة!

و هاهو رفيق أبو المكارم قد قتل .. كل تلك الأفكار دارت برأس الرائد حسام في ثوان .. شعر ببعض الشماتة والسعادة لموت ذلك الطاغية .. حقاً كان رجل أعمال خارق .. وأضاف الكثير لاسم مصر من حيث السمعة الفنية والاقتصادية .. ولكنه لم يضيف أي شيء للمصري نفسه .. بل إنه امتص دماءه ليزيد ثرائه.

قام ببناء مدن لا يستطيع السكن بها إلا الأثرياء .. مستشفى لعلاج فقط القادرين على علاج الخمس نجوم .. وهي قائمة على علاجات التجميل .. وتكبير كل ما يمكن تكبيره و نفخه.

و كان معروف عنه انه أتاح فرص عمل كثيرة للشباب العاطل ... بأقل الأجور .. و أسوأ الامتيازات .. في أسوأ الظروف .. اعتماد تام على القهر والذل بسبب حاجتهم الشديدة.

رغم بعض الشماتة التي شعر بها الرائد حسام إلا انه كان يحاول جاهداً معرفة الجاني .. وهو شخص لم يراه أحد بسبب العمة على رأسه والظلام الشديد .. لم يترك بصمات على الفأس .. لا يوجد أي دليل يستخدمه كطرف خيط.

قطع تفكير حسام رنين الهاتف .. وإذا بأحد الضباط في القسم يخبره بوجود رجل يقول إنه هو من قتل رفيق أبو المكارم.

* * * * *

حسام: سين ... اسمك وسنك وعنوانك

الرجل: اسمي محمدين محمد عبد الرحمن .. عندي ٣٨ سنة .. ساكن في أوضة فوق السطوح في عمارة ٩ شارع الشهيد مصطفى نجاتي .. الزمالك.

حسام: دا نفس الشارع بتاع المرحوم رفيق أبو المكارم.

محمدين: ده مش مرحوم يا باشا، ولا ربنا حايرحمه .. وأنت عارف

حسام: قصدك إيه؟

محمدين: يا باشا هو ده عمل حاجة عدلة في حياته؟

حسام: مش إحنا إلي حانحكم عليه

ثم نظر له في ريبة وقال: أنت إلي قتلته بقى؟

محمدين: أيوة يا باشا

حسام: ومين اللي طلب منك تعمل كده؟

محمدين: يعني ايه يا باشا؟

حسام: خدت كام يعني؟ .. وبتداري على مين؟

محمدين: يا باشا انا ماخدتش حاجة من حد!

حسام: بص يابني .. أنا عارف النظام ده كويس .. أنا عارف إن فيه حد كبير قتله .. أو طلب منك تقتله .. أكيد بسبب منافسة في الشغل أو أي حاجة .. قول لي هو مين .. وأنا حاحاول أجيب أي دليل ضده و ماحدش حيعرف إنك بلغت عنه.

محمدين: أنا يا باشا إلي قتلته

حسام: وجاي تعترف بنفسك؟

محمدين: أه يا باشا

حسام: أنت عارف إننا مش لاقيين ولا دليل على إلي قتل؟

محمدين: ايوة يا باشا .. شوفت في الأخبار الصبح ان مافيش أي دليل عالمجرم

حسام متعجباً: وليه سلمت نفسك وأنت عارف اننا مش حانوصَلَك بسهولة؟

محمدين: الموضوع بسيط يا باشا .. أحكيلك حكايتي من الأول.

* * * * *

قال محمدين: أنا راجل غلبان يا باشا .. باشتغل جنايني في العمارة إلي أنا ساكن فيها .. مش متعلم .. معاييش شهادة .. ماليش قيمة في البلد ..

من الأخر أنا من الناس إلي الحكومة اعتبرتها مش موجودة من زمان .. أو اعتبرتها موجودة .. بس عالة .. أو هم ..أنا من الناس إلي مايستاهلوش يبقى ليهم رغيف عيش سعره مناسب ليهم .. أنا من الناس إلي المرض يبقى حاجة كويسة في حالتي .. عشان يا يهدني .. يا يموتني و يقلل الهم من على البلد.

أنا من الناس إلي جوازهم مش مستحب عشان ما أزودش البلد بأمثالي .. أنا من الناس إلي مش من حقها يكون لها شقة .. لأن مش من حقي يبقى معايا في يوم من الأيام مبلغ قريب من إيجار السكن الآدمي.

أنا يا باشا .. رغم إن ماليش ذنب في دا كله .. مافيش أب يرضى بنته تتجوزني.

أنا واحد الحكومة شايفة إن إسرائيل أولى بالغاز مني .. لأن أنا ماقدرش أدفع تمن الأنبوبة .. فا هم أولى طبعاً.

أنا واحد من الناس إلي ميقدرش يتجوز واحدة غير لو يتيمة ومش لاقية إلي يرضى بيها .. صحيح هي زي البدر في كماله .. بس غلبانة زيي .. أنا بازرع الجناين و هي بتنظف الشقق في العمارة .. و بالليل بتجمعنا الاوضة إلي فوق السطوح، من غير سقف .. بس عموماً الحمد لله البرد مقدور عليه .. والمطر قليل في مصر .. وفقرنا و نقص العلاج خلا المناعة شديدة.

و مراتي يا باشا من الناس برضه إلي مش من حقها تتستت .. مش من حقها تلبس لبس نضيف .. مش من حقها تعيش بكرامة لأن جوزها مش من حقه يعيش أصلاً .. مش من حقها تلبس هدمة تداري جسمها وهي بتمسح الأرض .. ومش من حقها تعترض على القرص ولا اللمس ولا النظرات الوسخة ولا المعاكسة.

وأنا يا باشا لما إختفت يومين مارجعتش البيت .. و جيت القسم عملت بلاغ .. اكتشفت إن مش من حقي أبلًغ .. وإن من حق الضباط الصغيرين يتريقوا عليا و يقولوا تلاقيها طفشت منك ومن رِحتك و فقرك .. واكتشفت إن مش من حقي أجي أتابع المحضر عشان بازعجهم.

و لما مراتي رجعت من نفسها بعد يومين بتعيط كأن ماتلها عيل .. وبعد ما سألت مليون مرة .. عرفت إنها حامل من رفيق أبو المكارم .. الله لا يرحمه .. وإنه هددها بحاجات كتير لو قالت كلمة واحدة .. وإنه خطفها ووداها لدكتور يسقطها.

أول مرة يا باشا تكشف عند دكتور في عيادة! .. كان الدكتور النجس ده .. وبعد ما قالتلي يا باشا وأنا قاعد باعيط برة الاوضة على السطح .. شربت ازازة سم حشرات كانت واخداه من شقة من إلي بتشتغل فيهم.

كلمت ناس جيراننا ياخذوها و يدفنوها .. وأنا خدت الفاس بتاعي .. وغسلته .. و رحت عند شغله اللي معروف هو فين طبعاً .. ورشقت الفاس في نص راسه .. وسبته ينزف وأنا حاسس بالفرحة .. و مش ندمان على حاجة!

صمت حسام متأثراً .. وهو لا يدري ما هي نوعية تلك المشاعر بداخله .. خليط من التأثر مع الحزن مع الشعور بوحشية محمدين مع الكثير والكثير!

ثم قال: و ليه جيت تسلم نفسك دلوقتي؟

محمدين: عشان يا باشا أنا كدة خلاص .. بقيت من صفوة المجتمع!

حسام: نعم؟!

محمدين: أيوة يا باشا .. ما أنا عشان كنت شريف و محترم و غلبان .. ماكانش ليا حق في أي حاجة .. لكن كدة .. أنا حادخل السجن .. حيبقى ليا أكل تلات مرات يومياً .. حيبقى ليا صحاب .. حيبقى فيه حراس بيحموني .. حايكون ليا دكتور .. وعلاج .. ولأول مرة في حياتي مجاني كمان .. مش بعيد حد في السجن يعلمني القراية .. ولو خدت أشغال شاقة .. طب ما أنا باشتغل أشغال شاقة علطول بس من غير مقابل من أي حد .. دلوقتي مقابل سكن بسقف .. وتلات وجبات .. وتأمين للصحة .. وحتى ياريت أخد إعدام عشان أكون ارتحت من العيشة في بلد مش عايزاني .. يبقى أنهي أجدع يا باشا؟! .. أفضل حزين على شرفي و مراتي .. والبلد معتبراني كلب جربان في الشارع؟ .. ولا أقتله؟ .. وابقى راجل؟ ..وأعيش في نعمة ماكنتش أحلم بيها؟

صمت الرائد حسام مصدوماً .. لا يعرف كيف يجيب.

فقال محمدين: والنبي يا باشا إقفل المحضر ودخلني السجن بسرعة أبوس ايدك .. خليني أجرب مرة يعني ايه أعيش عيشة بني أدم!!

15/05/2010