جلس الرائد محمد حسام على مكتبه يطالع أوراق تلك الجريمة التي استحوذت على الرأي العام رغم إنها لم تحدث ولم يعلن عنها إلا منذ ظهر أمس
كانت الجريمة هي مقتل رجل الأعمال الشهير رفيق عبد الله أبو المكارم
رجل الأعمال الشهير بأعماله التجارية .. وأيضاً الشهير بسوء أخلاقه وسمعته!
كان يستعد لركوب سيارته أثناء نزوله من مكتبه في وقت متأخر من الليل بصحبة السائق الخاص به .. وإذا بشخص مجهول يناديه وعند استدارته قام بضرب رأسه بفأس فشقها وترك الفأس منغرساً في رأسه ولاذ بالفرار ولم يتمكن السائق من مطاردته ليبقى بجانب رجل الأعمال الذي لفظ أنفاسه في ثوان قبل وصول أي نجدة.
كان الرجل يتمتع بموهبة عظيمة في التنبؤ بكل ما يمكن أن يتحول إلى مكسب.
يتنبأ بممثلين المبتدئين ويتوسم فيهم المستقبل ويتبنى موهبتهم وإذا بهم يصبحوا من صفوة أهل الفن و هو منتج أفلامهم.
يتنبأ بالتيار الثقافي السائد ويبدأ في الترويج له .. من قنوات دعاية إسلامية أو برامج للطهي أو برامج رياضية مع مذيعين يعتقد أنهم سيكونون المطلوبين في كل البرامج لاحقاً .. وهو ما يحدث غالباً بعدما يكون قد وقع معهم عقود احتكار.
خلاصة القول أنه حقا موهوب وذو فراسة نادرة في التخطيط والدخول في صفقات يندر أن تفشل.
و هو أيضا يدخل في علاقات يندر أن تفشل .. فهو ثري .. وسيم .. ليس شاباً يبدوا صغيراً في نظر الكبيرات .. وليس شيخاً تأباه الصغيرات.
فتعود على وجود النساء في حياته .. أما عن رغبة فيه .. أو في نقوده .. أو خوفاً من بطشه.
لم و لن ينسى أحد تلك الفتاه المسكينة الفقيرة التي اتهمته بالتحرش بها وبعد يومين سحبت أقوالها و قالت أنها فعلت ذلك بسبب طمعها في تعويض مادي غير مستحق .. ثم اختفت اختفاء تام ..سيظل هناك دائماً شيئاً مريباً في تلك القصة!
و هاهو رفيق أبو المكارم قد قتل .. كل تلك الأفكار دارت برأس الرائد حسام في ثوان .. شعر ببعض الشماتة والسعادة لموت ذلك الطاغية .. حقاً كان رجل أعمال خارق .. وأضاف الكثير لاسم مصر من حيث السمعة الفنية والاقتصادية .. ولكنه لم يضيف أي شيء للمصري نفسه .. بل إنه امتص دماءه ليزيد ثرائه.
قام ببناء مدن لا يستطيع السكن بها إلا الأثرياء .. مستشفى لعلاج فقط القادرين على علاج الخمس نجوم .. وهي قائمة على علاجات التجميل .. وتكبير كل ما يمكن تكبيره و نفخه.
و كان معروف عنه انه أتاح فرص عمل كثيرة للشباب العاطل ... بأقل الأجور .. و أسوأ الامتيازات .. في أسوأ الظروف .. اعتماد تام على القهر والذل بسبب حاجتهم الشديدة.
رغم بعض الشماتة التي شعر بها الرائد حسام إلا انه كان يحاول جاهداً معرفة الجاني .. وهو شخص لم يراه أحد بسبب العمة على رأسه والظلام الشديد .. لم يترك بصمات على الفأس .. لا يوجد أي دليل يستخدمه كطرف خيط.
قطع تفكير حسام رنين الهاتف .. وإذا بأحد الضباط في القسم يخبره بوجود رجل يقول إنه هو من قتل رفيق أبو المكارم.
* * * * *
حسام: سين ... اسمك وسنك وعنوانك
الرجل: اسمي محمدين محمد عبد الرحمن .. عندي ٣٨ سنة .. ساكن في أوضة فوق السطوح في عمارة ٩ شارع الشهيد مصطفى نجاتي .. الزمالك.
حسام: دا نفس الشارع بتاع المرحوم رفيق أبو المكارم.
محمدين: ده مش مرحوم يا باشا، ولا ربنا حايرحمه .. وأنت عارف
حسام: قصدك إيه؟
محمدين: يا باشا هو ده عمل حاجة عدلة في حياته؟
حسام: مش إحنا إلي حانحكم عليه
ثم نظر له في ريبة وقال: أنت إلي قتلته بقى؟
محمدين: أيوة يا باشا
حسام: ومين اللي طلب منك تعمل كده؟
محمدين: يعني ايه يا باشا؟
حسام: خدت كام يعني؟ .. وبتداري على مين؟
محمدين: يا باشا انا ماخدتش حاجة من حد!
حسام: بص يابني .. أنا عارف النظام ده كويس .. أنا عارف إن فيه حد كبير قتله .. أو طلب منك تقتله .. أكيد بسبب منافسة في الشغل أو أي حاجة .. قول لي هو مين .. وأنا حاحاول أجيب أي دليل ضده و ماحدش حيعرف إنك بلغت عنه.
محمدين: أنا يا باشا إلي قتلته
حسام: وجاي تعترف بنفسك؟
محمدين: أه يا باشا
حسام: أنت عارف إننا مش لاقيين ولا دليل على إلي قتل؟
محمدين: ايوة يا باشا .. شوفت في الأخبار الصبح ان مافيش أي دليل عالمجرم
حسام متعجباً: وليه سلمت نفسك وأنت عارف اننا مش حانوصَلَك بسهولة؟
محمدين: الموضوع بسيط يا باشا .. أحكيلك حكايتي من الأول.
* * * * *
قال محمدين: أنا راجل غلبان يا باشا .. باشتغل جنايني في العمارة إلي أنا ساكن فيها .. مش متعلم .. معاييش شهادة .. ماليش قيمة في البلد ..
من الأخر أنا من الناس إلي الحكومة اعتبرتها مش موجودة من زمان .. أو اعتبرتها موجودة .. بس عالة .. أو هم ..أنا من الناس إلي مايستاهلوش يبقى ليهم رغيف عيش سعره مناسب ليهم .. أنا من الناس إلي المرض يبقى حاجة كويسة في حالتي .. عشان يا يهدني .. يا يموتني و يقلل الهم من على البلد.
أنا من الناس إلي جوازهم مش مستحب عشان ما أزودش البلد بأمثالي .. أنا من الناس إلي مش من حقها يكون لها شقة .. لأن مش من حقي يبقى معايا في يوم من الأيام مبلغ قريب من إيجار السكن الآدمي.
أنا يا باشا .. رغم إن ماليش ذنب في دا كله .. مافيش أب يرضى بنته تتجوزني.
أنا واحد الحكومة شايفة إن إسرائيل أولى بالغاز مني .. لأن أنا ماقدرش أدفع تمن الأنبوبة .. فا هم أولى طبعاً.
أنا واحد من الناس إلي ميقدرش يتجوز واحدة غير لو يتيمة ومش لاقية إلي يرضى بيها .. صحيح هي زي البدر في كماله .. بس غلبانة زيي .. أنا بازرع الجناين و هي بتنظف الشقق في العمارة .. و بالليل بتجمعنا الاوضة إلي فوق السطوح، من غير سقف .. بس عموماً الحمد لله البرد مقدور عليه .. والمطر قليل في مصر .. وفقرنا و نقص العلاج خلا المناعة شديدة.
و مراتي يا باشا من الناس برضه إلي مش من حقها تتستت .. مش من حقها تلبس لبس نضيف .. مش من حقها تعيش بكرامة لأن جوزها مش من حقه يعيش أصلاً .. مش من حقها تلبس هدمة تداري جسمها وهي بتمسح الأرض .. ومش من حقها تعترض على القرص ولا اللمس ولا النظرات الوسخة ولا المعاكسة.
وأنا يا باشا لما إختفت يومين مارجعتش البيت .. و جيت القسم عملت بلاغ .. اكتشفت إن مش من حقي أبلًغ .. وإن من حق الضباط الصغيرين يتريقوا عليا و يقولوا تلاقيها طفشت منك ومن رِحتك و فقرك .. واكتشفت إن مش من حقي أجي أتابع المحضر عشان بازعجهم.
و لما مراتي رجعت من نفسها بعد يومين بتعيط كأن ماتلها عيل .. وبعد ما سألت مليون مرة .. عرفت إنها حامل من رفيق أبو المكارم .. الله لا يرحمه .. وإنه هددها بحاجات كتير لو قالت كلمة واحدة .. وإنه خطفها ووداها لدكتور يسقطها.
أول مرة يا باشا تكشف عند دكتور في عيادة! .. كان الدكتور النجس ده .. وبعد ما قالتلي يا باشا وأنا قاعد باعيط برة الاوضة على السطح .. شربت ازازة سم حشرات كانت واخداه من شقة من إلي بتشتغل فيهم.
كلمت ناس جيراننا ياخذوها و يدفنوها .. وأنا خدت الفاس بتاعي .. وغسلته .. و رحت عند شغله اللي معروف هو فين طبعاً .. ورشقت الفاس في نص راسه .. وسبته ينزف وأنا حاسس بالفرحة .. و مش ندمان على حاجة!
صمت حسام متأثراً .. وهو لا يدري ما هي نوعية تلك المشاعر بداخله .. خليط من التأثر مع الحزن مع الشعور بوحشية محمدين مع الكثير والكثير!
ثم قال: و ليه جيت تسلم نفسك دلوقتي؟
محمدين: عشان يا باشا أنا كدة خلاص .. بقيت من صفوة المجتمع!
حسام: نعم؟!
محمدين: أيوة يا باشا .. ما أنا عشان كنت شريف و محترم و غلبان .. ماكانش ليا حق في أي حاجة .. لكن كدة .. أنا حادخل السجن .. حيبقى ليا أكل تلات مرات يومياً .. حيبقى ليا صحاب .. حيبقى فيه حراس بيحموني .. حايكون ليا دكتور .. وعلاج .. ولأول مرة في حياتي مجاني كمان .. مش بعيد حد في السجن يعلمني القراية .. ولو خدت أشغال شاقة .. طب ما أنا باشتغل أشغال شاقة علطول بس من غير مقابل من أي حد .. دلوقتي مقابل سكن بسقف .. وتلات وجبات .. وتأمين للصحة .. وحتى ياريت أخد إعدام عشان أكون ارتحت من العيشة في بلد مش عايزاني .. يبقى أنهي أجدع يا باشا؟! .. أفضل حزين على شرفي و مراتي .. والبلد معتبراني كلب جربان في الشارع؟ .. ولا أقتله؟ .. وابقى راجل؟ ..وأعيش في نعمة ماكنتش أحلم بيها؟
صمت الرائد حسام مصدوماً .. لا يعرف كيف يجيب.
فقال محمدين: والنبي يا باشا إقفل المحضر ودخلني السجن بسرعة أبوس ايدك .. خليني أجرب مرة يعني ايه أعيش عيشة بني أدم!!
15/05/2010