Mahmoud Fayez

Mahmoud Fayez

Saturday, August 22, 2009

التليفزيون- صندوق الدنيا


دخل كامل فيلته الفخمة جدا ... معه خادمين يرتديان زياً موحداً ... "سفرجية" كما يقولون ... يحملان صندوقاً كبيراً ... هتف بصوت مرتفع "نرميييييين" ... نزلت زوجته نرمين من الدور العلوي للفيلا ... من الملاحظ صغر سنها مقارنة به ... نظرت بإستهتار الى صندوق شاشة البلازما التي يحملها الخادمين قائلة "ايه دا؟ 42 بوصة؟ ماسمعتش ان فيه 60 بوصة؟ دي قيمتي عندك؟ عمرك ماتكمل حاجة عدلة للأخر يا كامل؟" ... بهت الخادمين واحمر وجههما خجلاً لتطاولها بتلك الطريقة على كامل أمامهما

************

أغلق سمير باب شقته الأنيقة بعدما وضع جهاز تليفزيون على طاولة في منتصف مدخل الشقة ... نادى زوجته "نهلة ... تعالي شوفي" ... خرجت نهلة من الحمام مسرعة مرتدية روب الحمام وتجفف شعرها ... نظرت إلى التليفزيون و قالت بفرحة غامرة "ايه داااااا؟ .... دا تليفزيون أوضة النوم؟ ... ميرسي يا حبيبي ... ربنا ما يحرمني منك ابداً"

************

في حجرة نومه القديمة المتهالكة ... جلس الحج زكي ليرتاح من مشوار العودة من عمله ... الذي أصبح عبئاً عليه مع مرضه ... وقال لزوجته "على فكرة يا بهيرة ... أنا خدت سلفة من الشغل عشان أجيب تليفزيون لريهام لجهازها ... كفاية اللي عصام حايجيبه ... فعلاً الله يكون في عون الشباب اليومين دول" ... ردت "يا زكى ... احنا ناقصين سلف؟" ... أجابها "ماحدش ضامن عمره يا بهيرة ... خليني أشوف البنت مبسوطة في الشوية اللي فاضلينلي"

************

أشار احمد لجهاز تليفزيون في أحد محلات القطاع العام وسأل خطيبته "ايه رأيك يا داليا في دا؟" ... أجابته "دا غالي يا أحمد ... خلينا في الواحد وعشرين بوصة بلاش الخمسة وعشرين" ... قال لها بإبتسامة حب صادقة "مايغلاش عليكي" ... أجابته ضاحكة "يا سيدي هات دا مؤقتاً وبعدين هات الخمسة وعشرين لما نقف على رجلينا" ... قال لها "خلاص ... أول ما القبض ينزل الاسبوع الجاي نيجي ناخده"

************

وقف طفل عمره خمسة عشر عاماً أمام أحد محلات الاليكترونيات ... ينظر في واجهة المحل الى التليفزيونات المعروضة وأخذ يتابع المباراة المذاعة عليها ... قال له صديقه "ايه ياض يا عادل ... تكونش عايز تشتريه تحطه في أوضة نومك ياوله؟" ... التفت اليه عادل بملابسه المشحمة ... وتظاهر بانه سيضربه بالمفك (هوشه) وقال بسخرية مريرة "انشاء الله لما الاقي بيت يلمني بدل ما أنا بقالي سنتين بانام في الورشة مع الفئران ... أبقى اجيب التليفزيون يا خفة"

************

جلس كامل في مكتبه الذي لا يقل فخامة عن فيلته ... وقال لشريكه "طلقت نرمين ... دي واطية ماتستهلش" ... قال شريكه بخجل "بصراحة ... كان نفسي أقوللك كده من زمان ... دي طمعانة فيك بس" ... أشار كامل برأسه قائلاً "سيبك منها" ... وقام بطلب مديرة مكتبه بالتليفون وقال لها "ابعتيلي المحاسب أحمد عبد السلام"

دلف أحمد إلى مكتب كامل بعد دقائق قائلاً "أيوه يا فندم ... تحت أمرك" ... قال كامل "انت خلاص فرحك قرب ... مش كده؟" ... قال أحمد "ايوه يا فندم" ... قال له "طب يا سيدي ليك تليفزيون هدية من الشركة والف مبروك وربنا يتمم بخير" ... قال أحمد بحرج بالغ "مافيش داعي يا فندم لكده أبداً" ... قال كامل بإبتسامة حنونة "لأ ازاي؟ ... دا أقل واجب يا راجل ... انزل لحسام تحت وهو حايسلمهولك"

أخذ أحمد التليفزيون في سيارته الصغيرة وذهب ليأخذ داليا بعد الإنتهاء من عملها ... وبعدما حكى لها ما كان من رئيسه كمال ... قالت "الحمد لله ... أصل انت نيتك حلوة ... احنا برضه عندنا في الشغل راجل كبير اسمه الحج زكي ... جمعنا فلوس من بعض عشان نسددله سلفة كان واخدها عشان يجيب تليفزيون لبنته اللي بتتجوز" ... ابتسم أحمد وهو يصف سيارته أمام منزل داليا ونزل منها فوجد سمير الذي لم يقابله يوماً من قبل ... يحاول تشغيل سيارته بلا أي استجابة من المحرك ... فعرض عليه أن يقوم بدفعها ليتمكن من تشغيلها ... وبعدما دارت السيارة ذهب بها سمير إلى ميكانيكي السيارات الذي يتعامل معه دائماً ... وعندما أمر الأسطى صبيه عادل بفحص السيارة ... قال له سمير "عادل ... أنا عندي أوضة فوق السطوح ... فيها سرير وتليفزيون وكرسي ... ممكن تقعد فيها لحد ما ربنا يكرمك وتخلص مدرستك بدل ما انت بتذاكر في الورشة بالليل وسط الكراكيب دي" ... وضحك محاولاً أن يخفف من حرج عادل قائلاً "بس التليفزيون أبيض وأسود ... ينفع؟" ... ضحكا سوياً و نزلت دمعتان من عيني عادل متأثراً ... وأمام الورشة ... في البناية المقابلة ... تجلس نرمين في الشرفة المطلة على ورشة عادل ... نزلت من عينيها دمعتين أيضاً مثلما حدث لعادل ... ولكن بفعل الندم ... وقالت لنفسها "مالها البلازما الاتنين واربعين بوصة؟"


16/06/2009

المرجيحة


دخل نبيل و ريهام و ابنهما سيف الشاليه بعد رحلة قيادة طويلة من القاهرة إلى نويبع ... يبدو سيف سعيدا جدا بالرحلة ... بسنين عمره التي لم تتجاوز الخمس سنوات ... مبهوراً بمنظر البحر رغم أن الظلام قد حل ... و قال له نبيل أنه يجب أن ينام بحجرته حتى يتمكن من الاستيقاظ مبكراً والتمتع بالبحر في وجود الشمس ... و اطمأن نبيل على سيف في سريره بالدور العلويثم نزل إلى الدور الأرضي و جلس مع ريهام على أريكة مريحة أمام تلفزيون كبير ونظر نبيل إلى ريهام فوجدها قلقة يبدو عليها الخوف والرهبة ... قال لها "برضه مش مرتاحة؟ تحبي نلغيالاجازة؟"

قالت"مشمرتاحة ... مش قادرة ... بس عشان خاطر سيف ... أسبوع ممكن استحمل بالطول ولا بالعرض"

شعر نبيل بحنان تجاهها ولكنه لم يعقب بأي رد لكي تهدأ ... فجأة قال نبيل لريهام "سامعة الصوت دا؟" ... أجابت "مش سامعة حاجة ... أنا أصلا تعبانة أوي من الطريق"

"دا صوت حاجةبتزيق ... خشي نامي انتي وأنا حاطلع أشوف فيإيه"

آوت ريهام إلى فراشها بينما صعد نبيل للدور العلوي ... و نامت ريهام قبل عودته

********

صباحاً على مائدة الإفطار تبدو ريهام أهدأ قليلا ... بينما يبدو نبيل مرتبكا ولكنه يحاول أن يداري ارتباكه بالتظاهر بالمرح ... لاحظت ريهام ارتباكه فقالت "مالك؟ فيه حاجةمضايقاك؟" أجابها قائلا "لأخالص ... تغيير المكان بس خلاني مانمتشكويس" ... نظرت ريهام إلى سيف فيحنان ... فسألها "ماما ... هو أنا ليه ماليشاخوات؟"

بهتت ريهام و بدا عليها كما لو أنها سوف تنهار و ترقرقت عيناها بالدموع ... مما دفع نبيل إلى أن يربت على كتفها و يقول لسيف متوترا "عادي يا سيف ... في ناس كتير ملهمش اخوات ... من غير سبب" ... دخلت ريهام الحمام ... استنتج نبيل إنها في الغالب تريد البكاء بمفردها ... فقال لسيف "إيه إلي خلاك تقول كدة يا سيف ... مش أنا قلتلك ماتقولش الكلام دا قدام ماما؟"

خرجت ريهام من الحمام في حالة ليست أفضل كثيرا من قبلالدخول ... وابتسمت لنبيل ابتسامة مزيفة تعني بوضوح "أنا عاملة نفسي كويسة بس أنا مشكويسة"

حاول نبيل أن يغير الجو قائلاً لسيف "يلا يا سيف اطلع غير في اوضتك ... وأنا حاطلعوراك" ... أجابه سيف "ماتتأخرش يا بابا عشان أنا خايف من المرجيحة"

انتظرت ريهام صعود سيف ثم سألت نبيل "يعني إيه خايف من المرجيحة؟" ... أجابها نبيل "أكيد قصده إنه عايز يتمرجح و خايف يتمرجح لوحده لحسنيقع" ... لم تقتنع ريهام بما قاله و شعرت أنه يداري سراً ولكنها لم تصرح بذلك.

********

بجوار حمام السباحة طلب نبيل الغداء ... ثم أخذ سيف للسباحة في المكان المخصص للأطفال ... و أخذ نبيل يراقب ريهام في حنان بينما هي تنظر لهم في رعب شديد ... أخذ هو يبتسم لها مطمئنا ولكنها كانت أبعد ما تكون عن أن يبلغ مراده.

أحضر النادل الطعام فخرج نبيل مع سيف من حمام السباحة ... ساعد نبيل سيف على الاستحمام ثم ذهب سيف جارياً إلى ريهام تاركاَ نبيل ليزيل الملح عن جسده تحت الدش المخصص على الشاطئ ... قال سيف لريهام "ماما... هو انتي ممكن تزعليمني؟" ... قالت ريهام "لأ ياسيف... ليه فيحاجة؟" ... قال "أصل بابا قاللي ماحكيش عشان ماتزعليش .. بس أنا خايف و عايز أحكيلك ... و عايز أنام جنبك" ... سألته "ماتحكيشإيه؟" ... أجابها "على الولد إلي كان بيتمرجح في البلكونة عنديإمبارح" ... سألته في رعب و توجس "ولدمين؟" ... قال "الولد إلي بيسأل أنا ماليش اخواتليه؟ و بيقول إن هو كانأخويا"

************

قال نبيل وهو يضع سماعة الهاتف "أول طيارة فاضية رايحة القاهرةبكرة وحالغي حجز الأسبوع كلهالصبح" ... قالت ريهام "نبيل ... مقدرش ... لا يمكن أبات ليلة واحدة كمانهنا" ... قال نبيل مهدئا "يا ستي دا أكيد كان بيحلم .... بيحلمممممم" ... قالت له في رعب ممزوج بحيرة" وهو عرف منين الموضوع دا عشان يحلمبيه؟ خالد الله يرحمه غرق قبل ماهو يتولد بخمس سنين ... و سافرنا برة مصر خالص عشان ننسى و عشان كانت البلد دي مافيهاش بحر كمان ... بعدنا حتى عن العيلة كلها .... يبقى يحلم إزاي إذا كان مايعرفش الموضوعأصلاً؟"

قال نبيل "انتي عارفة الأطفال إلي زيه ...عايشين في شبه صحرا بسبب شغلي ...و معزولين عن الجيران والصحاب ... مايعرفش حد غيرنا ... وبيشوف أطفال كتير في سنه وانتي بخوفك عليه حابساه معانا علطول ...ليه مايكونش دا خلاه تجيله تهيئات إن ليه واحد صاحب أو أخ ...ماحدش قال إنه خالد و ماحدش قال إنه عفريت ولا إنه غرق"

قالت ريهام "يعني دي بقت غلطتي أنا برضه؟ زى ما أنا إلي مخدتش بالي من خالد ...بقيت أنا إلي حابسة سيف و جايباله تهيئات"

ثم بدأت ريهام في البكاء بانهيار ... رق قلب نبيل و قال لها "حبيبتي ... أنا ماقلتش كدة ... أنا بس قصدي إنك مش مفروض تكبري الموضوع ... أنا حاتكلم معاه بالراحة وافهم منه هو شاف إيه بالظبط و إن شاء الله تطلع حاجة بسيطة"... قالت له ريهام باكية "أنا مش قادرة أسمع الحكاية معاك ... و برضه مش قادرة أقعد لوحدي ... متسبنيش ... لما نرجع بيتنا في مصر إسأله"

أجابها نبيل "أنا مش عايز أخوفه ... و هو أصلاً مش خايف ...امسكي نفسك ...أنا حاخده فوق عشان يشرحلي شافه فين بالظبط وكدا ...وأدور على حاجة تبين إذا كان تهيئات ولا شاف حاجة بجد ... و دا أنا متأكد إنه مش حقيقي"...ثم ابتسم لها بحب و قال "خليكي هنا شوية صغيرة أوي ... حتكلم معاه وانزلك"... أطرقت ريهام برأسها حيث أنها لم تتمكن من الاعتراض وتركتهم يصعدون و جلست تشاهد التلفزيون في شرود.

عشر دقائق مرت كعشر سنوات من عمر ريهام ... بدأت تتخيل بسبب الانتظار أشباح أطفال تأكل نبيل و سيف مما جعلها تهتف "نبيييييل" ... و عندما لم يأتي الرد وذهب الخوف والقلق بما تبقى من عقلها ...صرخت "نبيييييييييييييييييييييل"

نزل نبيل بأقصى سرعة حتى كاد يتعثر على السلم حاملا سيف ... و قال "فيه إيه؟" ... أجابته ريهام "أنا خفت أوي ... انتو كويسين؟" ... أجاب نبيل مطمئنا "إحنا ... كويسين أه" ... و لكن من توتر صوته ... شعرت ريهام أن الأمر أخطر مما تظن.

نام سيف كالملائكة ...غير مدرك إنه تسبب في كل هذا الرعب لمن حوله ...ولكنه نام في سرير نبيل و ريهام كما اقترحت ريهام خوفاً من وجود أي شيء قد يكون سبب إزعاجه في حجرته ... أو لمجرد أن يكون بجانبها ... استلقى نبيل في السرير بجوار سيف ... جلست ريهام بجانبه صامتة .. ساعة مرت إلى أن قالت "أنت صاحي؟"...نظر لها فسألت "حصل إيه؟" ... أجابها "مش كلام واضح ... بعدين نشوف الموضوع دا" ... نظرت للسقف وقالت "أنا خلاص كدة كدة أعصابي باظت ... احكيلي يا نبيل ... وحياة سيف تقولي كل حاجة" ... تردد نبيل قليلاً ... ثم تنهد وقرر أن يحكي لها ما حدث.

وأنا فوق سألته مين الولد إلي بتقول عليه دا؟ قاللي لما طلعتوني و نزلتوا سمعت صوت فالبلكونة ... قمت ...لقيت ولد قدي ... قاعد يتمرجح عالمرجيحة وقاللي أنت مالكش اخوات يا سيف؟...قلتله لأ ... قاللي عارف إن أنا ممكن أبقى أخوك؟ مافهمتش و مارادتش عليه ...اتدور و فضل يبص عالبحر و مكلمنيش تاني و فضل يتمرجح والمرجيحة تزيق لحد ما أنت يا بابا طلعت وفتحت الباب ... وسألتني مانمتش ليه ... بصتله مالقيتوش

و قلتلك كان في ولد وانت قلتلي دا حلم بس وسبتني و نزلت ... ممكن أسأل سؤال يا بابا ... إذا كنت أنت طلعتني أنام و بعدين طلعت تشوفني لسه مانمتش ليه .. يبقى ازاي كنت بحلم وأنا لسه مانمتش؟!!"

انتهى نبيل من سرد ما حدث بينه و بين سيف ... و لم يضيف أي كلمة أخرى .. ..فقط اكتفى بالاستماع لبكاء ريهام حتى الصباح

استيقظ سيف ... و قامت ريهام بإعداد الحقائب استعدادا للسفر ... و جلس سيف حزينا بسبب رفض ريهام أن تتركه يخرج ليلعب في الحديقة أو أن يذهب للسباحة ... في شرود بدأت ريهام إعداد بعض الأشياء الغير متجانسة فيما يمكن أن يسمى بالإفطار ... يجلس أمامها نبيل صامتا بين مصدق و مكذب لقصة سيف

قال لريهام "بصي ... برضه دا مش معناه حاجة ... أنا حكيتلك الموضوع زي ما هو وأنا مصدق من الخوف ... لكن لما فكرت كويس ... لقيت إن طبيعي يكون سيف نام في العشر دقائق إلي سبته فيهم و قبل ما أطلع تاني مرة ... عادي ... نام و حلم و أنا لما دخلت عليه فعلا كان نايم في سريره و شكله صحي على صوتي عشان فتحت الباب جامد"

قالت ريهام بعصبية" و خلاص يعني ... مجرد صدفة؟ مش حاسس إنها أقوى من إنها تكون صدفة؟ يحلم بولد قده بيقول كان ممكن أبقى أخوك؟ و مايحلمش بيه غير وإحنا عند البحر؟...و في سينا برضه؟"... قال نبيل مستنكرا "يعني هو غرق في سينا و فضل في سينا؟ ... ما إحنا طلعناه و دفناه في القاهرة؟ ... و كمان دا كان في شرم مش هنا في نويبع ... و كمان دا تخريف ... أه أصدق إنها صدفة و ماصدقش إن حاجة زي دي حصلت فعلا"

حاولت ريهام أن تهدأ و قالت "و مكانش خايف و هو بيحكيلك الحكاية على المرجيحة؟"... سألها نبيل "مرجيحة إيه؟"... قالت "مش كنت على المرجيحة وانت بتعرف منه الحكاية؟" ... أجابها"لأ ... إحنا كنا جوه و كنا قافلين أصلا البلكونة ...الالوميتال والستارة" ... بلعت ريهام ريقها وقالت "أنا كنت سامعة المرجيحة و هيا بتزيق ... سامعاها عمالة تروح و تيجي طول مانتوا فوق و لحد ما أنا ناديت عليك"

قال نبيل مكذبا "بقوللك إيه .. بلاش الهستيريا بتاعت الستات دي ... دا تلاقيه الهوا" ... قالت ريهام"و هو كان في هوا إمبارح؟ ولا الهوا إبتدا وانتوا طالعين و سكت وانتوا نازلين؟" ... كل هذا أصبح كثيرا على ريهام فذهبت إلى الحمام ... لتفريغ خوفها بكاءاً و قيئاً.

***********

رن جرس الهاتف فقفزت ريهام رعبا ...ضحك سيف عليها و ابتسم لها نبيل و أجاب الهاتف ... قال "الو ...أيوة أنا ....ازاي؟ ... ليه؟ ... طيب إمتى? ... يعني مافيش حل تاني؟ ... طب حاول لو سمحت ...شكرا"... نظر إلى ريهام و قال لها مشفقاً ..."المكان بتاعنا في الطيارة كان (ويتينج) و راح ...لازم نستنا بكرة بليل".

وقفت ريهام بعصبية و قالت "على جثتي ...أنا مش حاقعد هنا ولا يوم زيادة يا نبيل"... قال نبيل "يا ريهام اهدي بس ...مافيش حل تاني ... مافيش طيران ... و مش حانرجع القاهرة ماشيين ... و كمان يعني ما إحنا كنا بايتين إمبارح و سيف في وسطنا و ماحصلش حاجة ...إنهاردة بس يا حبيبتي" ... ثم ضمها في حنان و أخذ يربت على ظهرها حتى هدأت ثم قال "مش انتي بتقولي لا يمكن تبطلي ضحك على العيال كبرت؟ ... أول ما سيف ينام نشغلها على اللابتوب لحد ما تنامي وانتي بتضحي و تصحي الصبح انشاء الله زي الفل"

بالفعل نام سيف ... ووضع نبيل اللابتوب على طاولة صغيرة بجانب السرير و اخذا يتابعا المسرحية حتى هدأت ريهام و بدأت تضحك حتى استسلمت للنوم.

استيقظت ريهام على يد تدفعها ... فتحت عينها بتكاسل ولكنها سرعان ما انتفضت اذ رأت أمامها خالد ... هو خالد ... رفض عقلها أن يصدق ولكن عيناها تراه بما لا يدع مجالاً للشك ... نعم هو خالد ... لكن وجهه شاحب و به جروح كثيرة ... و مبتل تماماً ... قال "ماما ... سيبتيني ليه؟ انتي ماكونتيش بتحبيني؟" ... بكت ريهام و قالت "بحبك يا خالد ... أنا من يوميها بتعذب عشانك ... لو تعرف أنا عاملة ازاى بسبب" ... قاطعها خالد صارخاً "لأأأأ ... انتي بتحبي سيف و خايفة عليه أكتر مني ... ماكنتيش خايفة عليا كده ... بتبعديه عن البحر ... بينام جنبك ... وأنا مش حاسيبه ياخد حبك كله كده ... أنا حاخده معايا للبحر" ... صرخت ريهام "لاااااااااااااااااا"

استيقظت ريهام و قالت "استغفر الله العظيم ...أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" ... الكوابيس رجعت تاني ولا ايه؟ لأ ... دا ابشع من أى كابوس من بتوع زمان" ... التفتت لتوقظ نبيل فلم تجده ... و لم تجد سيفاً أيضا ... قامت تبحث برعب و لم تجد لهم أي أثر و نظرت من نافذة الحجرة فوجدتهم عائدين من جهة البحر في اتجاه الشاليه و نبيل يحمل طفلها فجرت عليهم واحتضنته صارخة "في ايييه؟ ... انتوا فيين؟ ... حرام عليكوا كنت حاموت من الرعب"

أجاب سيف "كننا بندور على الولد يا ماما ... دا طلع بيروح بالليل ينام في البحر"!!!

*******************

سأل نبيل الطبيب المسئول عن القرية السياحية المقيمين فيها "هي حتنام كده للصبح؟" ... أجاب الطبيب "ايوة .. المهدئ دا حايخليها تهدى خالص .. و هي بطلت تهلوس اهو" ... قال نبيل "الحمد لله ... بقالها ساعتين بتزعق كده" ... قال الطبيب "ماقالتش حاجة غير مش حتاخد سيف يا خالد اللي بتقولها دي؟" .. قال نبيل "لأ هو كده بس ... خالد دا ابننا برضه ... بس غرق في البحر من عشرة سنين ... ومن ساعتها هي عايشة في حالة تأنيب ضمير و حاسة انها هي اللي أهملت و غفلت عنه ... وأول مرة من يوميها نروح مصيف والظاهر ان البحر تعب أعصابنا إحنا الاتنين"

قال الطبيب "لأ أحسن ابعدها ... مش انتو من القاهرة؟ ... خدها و ارجع أحسن" ... وافقه نبيل قائلاً "اهو النهار بيطلع ... والطيارة بالليل إن شاء الله" ... قال الطبيب "عموماً انت عارف مكان العيادة بتاعة القرية و دا الكارت بتاعي عليه نمرة الموبايل"

في الصباح ... استيقظت ريهام في أسوأ حال ممكن ... ملابسها غير مهندمة وشعرها غير مصفف و في عيناها نظرة رعب و توتر ... طلب نبيل وجبة الإفطار تليفونياً و جلسوا لتناول الإفطار بدون أن يتبادلوا كلمة واحدة ... ولم تحاول ريهام أن تأكل أي شيء مما دفع نبيل لترك طعامه بدوره.

ذهب سيف إلى ريهام و قال "ماما ... مش عايز أرجع بيتنا ... أنا مبسوط هنا" ... قالت ريهام بعصبية "لو مارجعناش حارجع لوحدي ... عايز تعد من غير ماما؟" ... قال سيف سريعاً "لأ ... أرجع معاكي" ... و صمت قليلاً ثم سألها "ممكن أخد المرجيحة معايا عشان ييجي يتمرجح معايا زى هنا؟" ... تبادلت ريهام نظرات مرعوبة مع نبيل و سألت سيف في قلق "زى هنا امتى؟" ... قال سيف "ما هو قاعد على المرجيحة علطول ... عشان كدة بتعمل صوت ... بس احنا مش بنشوفه ... انتي ازاى مش عارفة و دا كلام الكبار عارفينه؟ ... هو برة على المرجيحة دلوقتي ... بس مش بيتمرجح غير لما اطلعله"

بهتت ريهام خوفاً وقال لها نبيل "ماتخافيش ... أنا حتطلع أشوف المرجيحة"

خرج نبيل فسألت ريهام سيف "هو الولد دا اسمه ايه يا سيف؟" ... لكم تمنت من كل قلبها أن يقول لا أعلم ... يقول سبيدرمان ... يقول أي شيء ... كانت تأمل ألا ينظر لها تلك النظرة البريئة قائلاً "اسمه خالد يا ماما ... انتي مش عارفاه؟!"

ثم نظر تجاه النافذة لينادي خالد "خاااااااااااااااالد" ... وهنا سمعت ريهام المرجيحة تتحرك وتصدر ذلك الصوت اللعين الذي أصبح أنكر الأصوات بالنسبة لها

نظرت ريهام من النافذة فرأت نبيل ممسكا رأسه بذهول ويحرك رأسه يميناً ويساراً قائلا "مش ممكن ... مش ممكن" ... وقال سيف "هو دا خالد يا ماما"

*****************

في اليوم الثاني صباحاً ... في أحد المستشفيات ... بعد أن أنقذوا ريهام من محاولة انتحار عن طريق قطع شرايين معصمها ... وكان نبيل هو من قام بأخذها سريعاً للمستشفى قبل أن تفقد كمية أكبر من الدماء.

بعد أن أفاقت طلبت أن ترى نبيل وسيف ... جاء لها ضابط الشرطة المسئول عن تلك الحادثة وسيف والطبيب المعالج ... حاولت ريهام أن تحتضن سيف ولكن الطبيب منعها قائلاً "هو ييجي جنبك ... بس انتي ماتحاوليش تقومي خالص دلوقت لحد ما ترتاحي"

قال الضابط "أنا الرائد حسام حسين ... استأذنت الدكتور أتكلم معاكي عشر دقايق بس ... عندك مانع؟"

أومأت برأسها قلقاً وحرجاً بمعنى "تفضل" و سألت "أمال فين نبيل؟"

أجاب الرائد حسام "أفضل أسمع منك الحكاية وهو برة ... امبارح وانتي في العناية المركزة أستاذ نبيل حكالنا كل الاحداث الغريبة اللي حصلت في اليومين اللي فاتوا ... عندك فكرة عن الكلام اللي قاله؟" ... قالت "اه طبعاً" ... قال "أحب أسمعه منك"

قالت ريهام "طب ممكن سيف يخرج برة؟" ... أجابها "هو حضر الكلام دا كله ومافيش كلام جديد عليه اذا كان كلام أستاذ نبيل سليم ... وكمان عايز أشوف حايقول ايه في الحاجات اللي شافها بنفسه"

بدأت ريهام في سرد الأحداث بتردد وقالت "احنا ... أول يوم وصلنا ... طلعت نيمت سيف في سريره في الدور الفوقاني ... ونزلت أتعشى مع نبيل ... وهو سمع صوت فوق وطلع يشوف دا صوت ايه وأنا نمت ... وساعتها ابتدى سيف يسأله هو ليه مالوش اخوات" ... قاطعها سيف قائلاً "لا يا ماما ... دا بابا اللي سألني" ... بدا الاهتمام على وجه الرائد حسام وسأله "سألك عن ايه يا سيف؟ ... احكيلي" ... قال سيف "باب سألني انت مش عايز يبقى ليك اخوات؟ يلعبوا معاك؟ ليه م سألتنيش قبل كدة انت مالكش اخوات ليه ... انت عارف؟ ... في ولد بيتمرجح على المرجيحة برة ... عايز يبقى أخوك" ... سأله سيف "هنا في البلكونة؟!" ... أجاب نبيل "اه ... بس ماتقولش لماما عشان ماتزعلش منك"

نظرت ريهام لحسام مذهولة وغير مدركة لما يحدث وقالت "ازاى ... أنا مش فاهمة حاجة!! ... طيب تاني يوم يا سيف لما بابا طلع تاني يوم وكنتوا قاعدين ... مش قلتله ان في حد برة على المرجيحة؟" ... سيف "لما نزلني نمت معاكو؟" ..أجابته "ايوة يا حبيبي" ... قال "لأ ... دا هو طلع خادني ... وقعدنا في البلكونة و هو نام وأنا بتمرجح ... وبعدين صحي مخضوض على صوتك وانتي بتندهيله ... ونزلنا علطول"

قالت ريهام لحسام غير مصدقة "دا قاللي كانوا قاعدين جوة وسمعوا صوت المرجيحة بتتحرك ... وسيف قال انه شاف حد على المرجيحة"

قال سيف "لأ يا ماما أنا ماشوفتش حد خالص"

سألته مرة أخرى وهي في حالة صدمة عصبية "ويوم ما طلعتوا على البحر بالليل؟" ... قال "بابا صحاني و قاللي تعالى نطلع ندور على أخوك خالد برة و قاللي ان خالد دا أخويا وان مش أى حد ممكن يشوفه وأنه بييجي يتمرجح عندنا واني لو دورت عليه وحاولت أكلمه حايقعد معانا أكتر ... انتي ليه يا ماما ماكنتيش قلتيلي الكلام دا قبل كدة؟!"

*****************

في حجرة دكتور رأفت أبو الخير ... طبيب الأمراض النفسية والعصبية الشهير ... جلست ريهام تستمع له متوترة وهو يقول "بصي يا بنتي ... من ناحية الخيانة والغدر والكلام دا اطمني ... نبيل ماكنش حاسس بأى حاجة من اللي عملها ... كان مقتنع تماما ا ندا حقيقي"

سألته ريهام "يعني ايه؟ ... يعني سيف قاله الكلام دا فعلاً؟" ... قال "لأ خالص ... بس واضح ان وجوده على البحر لأول مرة من ساعة موضوع خالد أثر عليه ... عقله الباطن خلاه يشوف حاجات ماحصلتش ... ويقولها ويحكيها ... كان بيحاول يرجع خالد للحياة بأى شكل ... حتى لو شبح"

قالت ريهام "بس دا كان طول عمره متماسك ... ماتعبش زيي" ... ابتسم دكتور رأفت قائلاً "هي دي المشكلة ... انتي كنتي علطول تعبانة و منهارة و هو بيخلي باله منك ... وهو زيك كان محتاج حد يخلي باله منه ...فضل مستحمل لكن من جواه ماكانش قادر ... الكبت اللي جواه خرج في شكل هلاوس قدام البحر ... وهو ماكانش عايز يأذيكي ... كان نفسه يرجع خالد بس ... و مش محتاج أكتر من علاج بسيط قوي ... بس هو محتاجلك"

وأضاف "عارفة احنا لقينا ايه في محفظته؟ ... صورة أعتقد أن هي السبب في بعض تفاصيل القصة اللي عقله الباطن خلقها ... قوليلي دي كانت امتى الصورة دي؟"

أخرج صورة من ملف أمامه وأعطاها لريهام التي بكت بمجرد رؤية الصورة ... وبصعوبة تماسكت لتقول مفسرة "دي أخر صورة صورناها لخالد ... يوم ما غرق الصبح" ... احتضنت الصورة و أجهشت بالبكاء الشديد ... فهي لم تتوقع أن يكون نبيل قد احتفظ كل تلك الفترة بالصورة معه سراً ... صورة خالد أمام البحر يضحك ضحكة بريئة ... على المرجيحة!!!!!

12-نوفمبر-2008

حب صافي بريء - خواطر


بحبها ... حب عنيف ... لأ ... ازاي حد يوصف الحب بكلمة زي دي؟ ... عنيف؟! ... لأ دا حب كبير ... حتى كبير دي كلمة وحشة ... أنا بحبها حب صغير ... ببراءته ... بخجله

حب كله إخلاص وتضحية ... حتى التضحية كلمة غلط ... تضحية ليه؟ ... اللي بيضحي دا بيعمل حاجة صعبة عليه ... أو مش عايز يعملها ... لكن اللي أنا بعمله لا صعب ولا مش عايز أعمله.

كتير قالولي أزاي تسيبلها عربيتك؟ ... مقابل ايه؟ ... طبعاً مقابل الفرحة اللي باشوفها في عينها ... شوفت في عينيها فرحة ماشوفتهاش قبل كده ... أبقى كده ضحيت؟ ... تيجي ايه العربية قدام اني أشوف الضحكة دي؟ ... تيجي ايه قدام اني أكون أنا السبب في الضحكة دي؟

حبيتها من ساعة ما وعيت على الدنيا ... مش فاكر حاجة عن نفسي قبل ما احبها ... فاكر أيام ما كنا بنقعد على البحر في الصيف في مرسى مطروح ... محاولاتي دايماً اني أبقى قريب منها أكتر من أخواتي ... فاكر اعجاب كل الناس باختها اللي أحلى منها ... بس في عينهم هم بس ... هي ملكة قلبي المتوجة.

كتير بيقولوا الحب مشوار ... بيمشي في الحبيبين سوا ... دا حقيقي ... مشوارنا ابتدى بمشوار المدرسة ... من بيتي لما أقابلها وهى نازلة من الدور اللي فوقينا ... ننزل السلم سوا ... ونروح المدرسة سوا

ربع ساعة بنمشيها سوا ... أمسك ايدها واحنا بنعدي الشارع ... وتشد ايدها من ايدي لما نعدي ... وأنا اسيب ايدها بسرعة لا تتكسف ... مع أن بيبقى نفسي ماسيبهاش تاني ابداً ... ونوصل المدرسة وأفضل طول الحصة الأولى سرحان في مسكة ايديها ... وسرحان في الفضول والفكر ... يا ترى هي كمان سرحانة؟ ... يا ترى كان نفسها أمسك ايدها أكتر؟ ... يا ترى فاهمة حاجة في الحصة بتاعتها؟ ... يا رب تبقى سرحانة زيي.

في ناس بيقولوا الحب حلم ... دا كمان صحيح ... حلم بالمعنيين ... معنى الحلم كطموح ... و كحلم أثناء النوم ... يعني أنا طول ما أنا صاحي وهي مش معايا بحلم ... يا ترى الفرح حايحصل فيه ايه؟ ... نجيب مين يغني؟ ... مرتبي حايكفي يخليني أعيشها في السعادة اللي تستحقها؟ ... أنا عارف انها بترضى بأي حاجة ... وبتحب أي حاجة مني ... بس أنا برضه بيبقى نفسي أجيبلها أكتر من اللي هي عايزاه ... هي فرحت أوي بالحلق اللي جبته الشهر اللي فات ... مع انه بتمانية جنيه بس ... حبته أوي ... بتلبسه كل يوم ... وفرحت بالتوكة اللي عليها ميني ماوس ... مع انه يليق أكتر على واحدة أصغر منها.

بس أنا برضه نفسي في أكتر من كده ... يا ترى ايه أنواع الثلاجات الكويسة؟ ... ايه أنواع السيراميك؟ ... يا ترى في نجف أحلى من اللي عندنا في البيت؟ ... عشان مش بحب ذوق ابويا في النجف ... طب يا ترى حاتعجبنا نفس الحاجة؟ ... مش مهم تعجبني أنا ... المهم هي تبقى مبسوطة ... لو عليا اجيبلها نجوم السما في كريستالات بدل النجف ... اجيبلها في الفرح أوركسترا بتعزف ضحكتها ... اجيبلها عربية مرسيدس بدل العربية اللعبة اللي سيبتها عشانها ... المهم تكون بتحبني أصلاً.

لو نجحت السنادي بمجموع كبير في الابتدائية ... ممكن أتشجع واصارحها ... وأقول لها أن التوكة والعربية والحلق جبتهم عشان بحبها ... وأني محوش أربعين جنيه عشان أجيبلها المطبخ اللي بالبطاريات اللي هي عايزاه في عيد ميلادها.

لو بتحبني ... حاعملها كل اللي هي عايزاه ... بس أعمل كويس بكرة في الامتحان ... وأشوفها بعديها في بيتزا هت.

12-12-2008