Mahmoud Fayez

Mahmoud Fayez

Thursday, February 11, 2010

ايجابي


دخل شاب قسم الشرطة متوتراً لعدم خبرته بهذا الأمر .. كانت أول مرة له هنا بخصوص شيء غير روتيني مثل استخراج البطاقة ومثلها من زيارات المصالح الخاصة .. وجد الشاب صول في طريقه فسأله عن مكان عمل محضر فقال له أن يصعد للدور الثالث ليسأل عن الملازم وحيد عبد القادر.
صعد الشاب السلالم وهو متردد أيصعد أم ينسى الأمر برمته .. ولكنه قرر الاستمرار وسأل عن الملازم وحيد حتى وجد مكتبه فطرق الباب وسأله بحرج "ملازم وحيد؟"
وحيد: "ايوة؟"
الشاب: "كنت عايز أعمل محضر لو سمحت"
وحيد: "محضر ايه يا فندم؟ خير؟"
الشاب: "في حاجات اتسرقت مني .. وكنت عايز اعمل محضر عشان أطَلَع بدل فاقد"
وحيد: "طب اتفضل .. ارتاح .. يا حسييييين .. تعالى سجِل المحضر دا"
جلس حسين ليكتب ما يقال بين الملازم والشاب
وحيد: "بسم الله الرحمن الرحيم .. فُتِح المحضر في ساعته وتاريخه .. اسمك وسنك وعنوانك لو سمحت"
الشاب: "مروان محمد حلمي .. عندي 36 سنة .. ساكن في 15 شارع سعد زغلول .. متفرع من ميدان الرماية"
وحيد: "وايه اللي اتسرق منك؟"
مروان: “أحلامي وطموحاتي"
وحيد: "امممم .. طب احكيلي ظروف السرقة"
مروان: “أنا كنت دخلت أنام وأنا عندي 16 سنة .. وكانت أحلامي كلها في مكانها .. أتأكدت منها كويس وأنا بافتح مروحة السقف قبل ما أنام كالعادة في الصيف .. كان بعد امتحانات ثانوية عامة علطول وقبل النتيجة ما تطلع .. والنهاردة لما صحيت مالاقيتش ولا حلم في مكانه!"
وحيد: "انت متأكد انها سرقة؟"
مروان: “اه طبعاً"
وحيد: "مش يمكن ضاعوا أو انت ناسي انك أكدت عليهم فعلاً ولا لأ .. برضه دول 20 سنة نوم .. وارد انك تنسى يعني"
مروان: “لأ أنا متأكد لسببين .. أولاً انا كنت مرَكِز كويس الاحلام كانت فين وعن ايه .. ثانياً انا لما صحيت لقيت أثار تخريب"
قال وحيد وقد استيقظت لديه الحاسة البوليسية: "زي ايه؟"
مروان: “في شوية احلام بسيطة موجودة ماحدش أخدها .. بس يا متكسرة .. يا مخنوقة في مكانها"
وحيد: "بتتهم حد معين؟ .. شاكك في حد ممكن يكون عمل كده؟"
مروان: “لأ .. مافيش حد معين في بالي"
وحيد: "مين أخر حد شاف الاحلام دي قبل ما تتسرق؟"
مروان: “كان في حلم الجامعة اللي كنت عايزها .. أخر حد شافه كان اللي حط امتحان الجغرافيا في ثانوية عامة .. وحلم الوظيفة اللي كنت عايزها .. اللي شافه كان واحد قاعد مستني دوره معايا في اختبار الوظيفة ودخل قبلي عشان كان معاه واسطة .. وحلم الجواز .. كنت متخانق مع خطيبتي ورمته في الأرض وداست عليه كسرته وسابتني .. بس أنا كنت لسه شايله في كيس مقفول لحد ما صحيت مالقيتوش"
وحيد: "بس دول؟"
مروان: “دول المهمين يعني"
وحيد: "لأ ماينفعش المهمين .. أنا لازم يبقى معايا قائمة بالمسروقات كلها عشان المحضر"
مروان: “كان فيه حلم إني أبقى غني .. مشهور .. مرتاح .. عايش بكرامة .. ليا قيمة في البلد .. بس يعني .. أحلام طبيعية بسيطة"
وحيد: "طيب بالنسبة للمكان .. كنت شايلهم فين؟"
مروان: “فيه شوية كانوا في قلبي .. وشوية كانوا في عقلي"
وحيد: "والاتنين اتسرقوا؟"
مروان: “ايوة يا فندم"
وحيد: "طب مفاتيح الاماكن دي كانت معاك؟"
مروان: “ايوة"
وحيد: ".وكانت لسه معاك بعد السرقة؟"
مروان: “لسه معايا اه"
وحيد: "ماكانش فيه نسخ تانية من المفاتيح؟ .. خطيبتك بتاعة زمان دي مثلاً .. معاهاش نسخة من مفتاح قلبك؟"
مروان: “الحقيقة هي فضلت سنين معاها المفتاح .. بس بعد كده غَيَرت الكالون .. بس عموماً أنا قلبي مفتوح علطول مش باقفله خالص الحقيقة"
وحيد: "طب وعقلك؟"
مروان: “عقلي من أيام المدرسة وثانوية عامة بالذات وهو الباب بتاعه بايظ .. أي حد بيحط فيه أي حاجة خربانة وكراكيب قديمة لحد ما بقى هو نفسه خراب وأنقاض"
وحيد: "أي كراكيب زي ايه يعني؟"
مروان: “مناهج مدارس متخلفة .. فتاوى دينية متقيفة على المزاج .. نصايح أصدقاء السوء .. وجع دماغ بنات .. كلها حاجات كدة اتكومت والاحلام كانت غطسانة تحتها قبل ما تتسرق"
وحيد: "تحب تضيف حاجة تانية؟"
مروان: “لأ .. دا كل اللي عندي"
وحيد لحسين: "اكتب يا حسين .. أُغلِق المحضر في ساعته وتاريخه"
ثم التفت لمروان قائلاً: "ماشي يا أستاذ مروان .. ممكن تتفضل دلوقتي .. واحنا ان شاء الله حنباشر التحقيقات وأول مانوصل لأي حاجة حانتصل بيك .. اكتب بس نمرة تليفونك على الورقة دي"
وناول مروان ورقة فكتب فيها رقم هاتفه بالمنزل ورقم المحمول .. وشَكَر وحيد بأدب وخرج من المكتب.
بعد خروج مروان مباشرة .. ألقى وحيد الورقة التي تحتوي على أرقام هواتف مروان في سلة المهملات تحت مكتبه وقال لحسين: "أرمي يابني المحضر دا في أي دولاب من بتوع الكراكيب ولا ارميه في الزبالة حتى"
حسين: "ليه بس يا باشا؟!"
وحيد: "أعمِلُه ايه يعني؟ واحنا فاضيين للكلام دا؟ لو حانعمل محضر ونبحث في مشكلة كل شاب ضاعت احلامه وطموحاته في البلد مش حانلاقي وقت بقى للجرايم اللي بجد .. يا عم صلي على النبي"

*********

عاد مروان إلى منزله فقابله والده وسأله: "عملت المحضر يا مروان؟"
مروان: "اه عملته .. كان عندك حق .. مكانش مفروض أسكت على حقي أكتر من كده"
الأب: "يعني فيه أمل يلاقوا الحاجة اللي راحت؟"
مروان :"اه ان شاء الله .. انا متفائل بسبب اهتمام الظابط اللي خد مني البيانات"
الأب: "وحاتعمل يه دلوقتي؟ .. تبتدي بقى تدور على شغل؟"
مروان: "حارتاح بس شوية من المشوار .. بس عارف .. أنا مبسوط اني سمعت كلامك .. أول مرة أحس ان انا ايجابي .. وان شاء الله الملازم وحيد دا مش حايهدَى غير لما يلاقي احلامي"
ودخل مروان ليقوم بالشيء الذي يجيد عمله أكثر من أي شيء أخر .. وقال لوالده: "صحيني بقى على ميعاد الماتش"


مستوحاة من شخصية تقضي وقتها ...
à la recherche du temps perdu


11 فبراير 2010