رفع الشرطي مقدماً كان أو عقيداً أو عميداً .. يده الباطشة التي لا ترى إلا مؤخرات أعناق المجرمين وهوت بكل قوة محدثة دوياً مرعباً .. لم يشعر متلقي الضربة بالألم لما شعر به من الخوف من صوت الضربة .. ثم قال الشرطي .. "بسم الله .. نبدأ المحضر"
قال المجرم: "يا باشا طيب حضرتك ماتعرفش أنا جيت هنا ليه! مش تسأل الأول وبعدين تضرب؟"
الشرطي: "أنت حاتعلمني شغلي يا روح أمك؟! .. والله لولا أن إيدي اتوجعت من قفاك كنت ضربتك تاني"
المجرم: "الحمد لله يا باشا .. الف سلامة على إيد سعادتك"
الشرطي: "اسمك ايه ياض؟"
المجرم: "خدامك ... ... ... ... الضربة نستني اسمي يا باشا!!!"
الشرطي: "مش مهم يا خويا .. وانا كنت يعني حاناديك باسمك؟ .. نكتب المحضر باسم البهيم؟ ولا باسم (....)؟"
المجرم: "يا باشا مافيش داعي للألفاظ دي"
الشرطي: "بس يا (...) ... قوللي ... سيادة اللواء قاللي أمرمط بيك الأرض عشان المصيبة اللي عملتها .. عملت ايه يا (....)"
المجرم: "تاني (...) يا باشا؟"
الشرطي: "شكلك مش حاتتعدل يا ابن ال(....) غير لو دخلتك عند اللي حايربيك"
نادى الشرطي الصول الواقف بجوار الباب وعند دخوله قال له: "خد ال(....) دا ... وديه عند بسيوني .. قوله الراجل دا عامل راجل .. ومش عايزينه يحس بكده تاني .. يجرب معاه طريقة (النووي) أو يا ريت كمان يعمله (النووي الجهنمي) لو الجهاز مشحون .. بعد ما يخلص لو كان بيعرف يتكلم هاته .. لو ماعرفش هاتهولي بكرة"
ضرب الصول المجرم على مؤخرة رأسه ضربة صول بصحته ... أقوى كثيراً من ضربة الشرطي المرفه (خريج المدارس) .. وسحب المجرم من ياقة قميصه وأثناء خروجه قال الشرطي: "ماتخليش حد يدخل لحد ما أصلي الضهر والسُنة"
***
دخل المجرم اليوم التالي على الشرطي وما أن رآه حتى قال: "هو انت يا مجنون يا ابن المجانين؟"
المجرم: "لأ يا باشا ... أنا (...)!!"
الشرطي: "بقى يا مجنون .. فاكر نفسك ممكن تفَجَر بيت سيادته بأنابيب البوتاجاز؟"
المجرم: "يا باشا أفَجَر ايه بس؟ والله ما كنت أعرف ان دا بيته"
الشرطي: "حاتستهبل يالا؟"
المجرم: "يا باشا والنبي باحبك لما تناديني ب(...) .. انا أشرحلك يا بيه .. أنا أصلاً من حارة اسمها (المظاليم) .. في مصر القديمة .. حارة يا باشا كلها ناس غلابة حتى احنا مسمينها (المهروسين) .. وفي ناس تانية بيقولوا عليها اسم تاني مايصحش يتقال في محضر رسمي ..."
الشرطي: "كفاية رغي يا ابن ستين (...) .. اياكش تولع انت وكل المهروسين بتوعك .. المهم .. وبعدين؟"
المجرم: "لامؤاخذة يا باشا ... أنا بقى شغال بتاع أنابيب أساساً .. ولما كنت بأدور عالبيوت .. عرفت ان عضو مجلس الشعب عن حتتنا امه اتوفت .. غالباً من دعانا عليه .. ومن غضب ربنا عشان الراجل دا غشاش وكداب ومزور وبلطجي وحرامي وفلاتي وماحدش سمع مرة انه عمل خير .. وطبعاً يا باشا قالولنا نروح نعزيه عشان يبان انه محبوب من أهل حتته .. والعزا كان في جامع في مصر الجديدة .. في مكان عمري ما رحته .. عند نادي كده اسمه نادي فلتيبوليس ولا هنتيبوليس ... المهم انه جنب بيت الريس اسم الله عليه .. وأنا مروح بقى ومش عارف الطريق ... بدل ما أدخل شارع صلاح سالم سيادتك ... دخلت عند بيت سيادته ... ولما لقيت ناس بتهجم عليا من كل ناحية .. وقعت بالماكنة .. والأنابيب وقعت مني .. وافتكروني عايز أعمل مشاكل ... ولما قلت للباشا الظابط هناك أني ماعرفش الطريق وباشوف لو فيه تخريمة ... قاللي أنا حاعملك تخريمة مش حاتنساها .. ويا باشا عليا الطلاق الراجل قد كلمته وعمري ما حانساها فعلاً"
قطع حديثهم دخول عسكري مهلهل في حالة يرثى لها .. قال للشرطي: "شاي سعادتك يا فندم"
ووضع الكوب الزجاجي الذي يخرج منه الدخان بغزارة تنم عن غليانه بزمة!
بعدما خرج العسكري المهلهل قال الشرطي للمجرم: "أهبل أنا عشان أصدق الكلام دا؟"
المجرم: "يا باشا وأنا يعني معقول أحاول أفجر بيت بحراسة وهيلمانة ودا كله وكل اللي معايا أنبوبتين بوتاجاز؟"
الشرطي: "ما هو الجهلة أمثالك لا يمكن مخهم الوسخ اللي متربي في مدارس زبالة يطلع بفكرة أحسن من كده"
المجرم: "مدارس ايه يا باشا؟ .. مافيش حد من حارة المهروسين دخل مدارس .. الوحيد اللي دخل مدرسة خرج من تالتة ابتدائي عشان يوم راح الصبح المدرسة متأخر لقاها وقعت عالعيال .. ودا الوحيد اللي بيفك الخط في المهروسين!"
الشرطي: "أنت شكلك جاي تتلامض .. وعايز تتربى"
وفي حركة سريعة .. ودون أدنى فرصى لتفاديها .. ألقى بكوب الشاي المغلي في وجه المجرم .. الذي لم ينتظر الاحساس بالألم كي يصرخ: "آاااااااااااااااااااه"
*****
قال الشرطي للمجرم: "سيادة اللواء ... يا سيادة اللواء .. " .. ثم نادى العسكري قائلاً: "يا صميدة .. حتة مبلولة بسرعة وتعالى أمسح الشاي اللي أتدلق دا"
قام اللواء سريعاً وأخذ يمسح الشاي الذي لم يعد ساخناً بعدما نام على مكتبه وغرق في سبات عميق مصحوب بهذا الكابوس
قال الشرطي: "ايه يا باشا؟ كابوس تاني؟"
أومأ اللواء برأسه موافقاً
الشرطي: "برضه مش عايز تحكي؟"
تردد اللواء قليلاً .. خوفاً من أن يعتقد الشرطي الأقل منه رتبه أنه بدأ يضعف أو يشعر بتأنيب ضمير إزاء بعض الأعمال التي طالما اعتبرها ضرورية في عمله .. وقال: "بلاش أحسن ... لحسن تتحقق"
الشرطي: "براحتك سيادتك"
وقف اللواء قائلا: "أنا حامشي .. مش عايز أتأخر النهاردة .. أرَوَح أشوف أي فيلم فاشل مع تهاني كالعادة وأنام .. بس يارب مايجيليش كوابيس النهاردة"
الشرطي: "ان شاء الله يا باشا .. والواد اللي سرق شقة صاحبه دا حانرَوَقه زي ما قلت ونمشيه"
اللواء: "لأ .. ماتعملوش حاجة .. خليه يرَجَع اللي سرقه ومشيه"
نظر له الشرطي متعجباً .. ولكن وجه اللواء لم يظهر أي تعبير .. ثم أنصرف من المكتب دون أي كلمة أخرى.
****
استيقظ اللواء فجراً صارخاً أثر كابوس جديد .. أضاءت زوجته (الأباجورة) التي بجانبها وقالت: "كابوس تاني يا جابر؟"
لم يجبها جابر .. وظل يلهث وهو يحاول جاهداً ملء صدره بالهواء
قالت: "ما تروح للدكتور يا أخي .. الموضوع كده زاد عن حده"
جابر: "عايزة الناس تقول الراجل اتجنن؟!"
قالت وهي تدير له ظهرها: "الراجل؟"
أطفأت (الأباجورة) مرة أخرى لتنهي الحديث بكلامها قائلة: "هو انت من يوم ما حلمت بنفسك عالنووي الجهنمي بقيت نافع؟ .. نام نام"
****
ظل طوال الليل ينظر لظهرها في الظلام .. بكل كراهية وغل واشمئزاز .. وفي الصباح .. وقبل نزولها للعمل مباشرة .. قال لها "فيه كام كباية مش نضيفة في المطبخ .. سيبيهم وأنا حاغسلهم لما أرجع"
كان يعلم تماماً ما ستقوله: "لأ .. أضمن منين مايجيبوش نمل؟! .. ما أنا لو ماعملتش كل حاجة بنفسي البيت يبوظ"
كان يعلم أنها ستقوم بغسيل الأكواب .. ليس خوفاً من أي شيء .. ولكن حرصاً منها على الاهانة والنكد والتحقير من تصرفاته والتأكيد على براعتها وغطرستها
بعد دقيقة قال: "أنا نازل ... سلام"
قالت: "انزل ... انت فارقة معاك؟ .. أتأخر أنا على شغلي عشان تشرب شاي بالليل براحتك"
لم يحزن .. بل ضحك بسعادة وغادر المنزل
****
بعد دقائق انتظرها جابر مختبئاً .. نزلت زوجته وركبت سيارتها وذهبت بها .. أخرج جابر محموله .. وطلب الشرطي المساعد له و قال: "باقولك ايه يا ابو حميد .. عايزك تكلم أي حد في قسم العجوزة .. وتقوللهم ان العربية بتاعة المدام اتسرقت .. كانت لسه هنا من عشر دقايق .. خليهم يشوفوا اللجنة اللي عند مطلع الكوبري يمكن يلاقوها .. يكون اللي خدها مالحقش يبعد ... ايه؟ ... ماشي ... 23453 .. ملاكي الجيزة .. بسرعة بقى وحياة والدك"
بعد عشرة دقائق رن محمول جابر فأجابه قائلاً: "ايوة يا أبو حميد .. لقيتوها؟ .. واحدة ست؟ .. مراتي ازاي يعني؟ .. معاها بطاقة؟"
كتم ضحكته بصعوبة وهو ينظر لبطاقة ورخصة ومحمول زوجته فوق الكرسي المجاور له .. وتذكر كيف أستغل غطرستها لتدخل للمطبخ ليتمكن من أخذهم من حقيبتها قبل نزولها مباشرة.
بعدما تماسك وأجبر نفسه على كتم ضحكته قال لمحدثه: "لأ طبعاً .. مراتي قاعدة جنبي أهو .. وكمان لسانها طويل وقليلة الأدب معاكوا؟ .. تسرق عربية لواء .. وتشتم الظباط .. وفاكرة كدة حانتخض ونسيبها .. دا انتحال شخصية يا ابو حميد .. باقولك ايه .. نص ساعة كمان .. لو مصممة انها مراتي .. قول لمأمور العجوزة أزاي عندنا بنعمل (النووي الجهنمي) .. خليها تتربى"
أغلق جابر المحمول بسعادة بالغة ..قال محدثاً نفسه: "ما بقتش نافع بعد الجهنمي؟! .. أما أشوف حاتعملي ايه انتي بعده ... على الأقل أنا جربته في حلم بس" ... وقام بطلب رقم أخر وقال: "ألو .. الهيلتون؟ .. كنت عايز أحجز غرفة لفرد واحد .. لأ بد أند بريكفاست بس .. مش عايز أي خدمات ... أنا عايز بس أناااااااام"