Mahmoud Fayez

Mahmoud Fayez

Saturday, August 22, 2009

الناس ليه بقت وحشة كده؟


هذا هو ميدان التحرير ... كما نعلمه جميعا ... لا جديد ... يوم كأي يوم ... يمر به الناس ... نفس الناس ... و ها هو أحمد ذو الست و عشرون ‎‎عاما ... يعبر الشارع ليصل إلى مجمع التحرير ... ينظر في اتجاه الطريق من حيث تأتي السيارات المارقة بسرعة ... كما لو كانت أحد ألعاب الفيديو ... حيث يحاول قائدي السيارات جاهدون ألا يصدموا المارة

سمع أحمد صوت من خلفه "بست بست" .. من الاتجاه المعاكس للطريق ... دراجة ... يركبها شاب في مثل عمر أحمد ... الدراجة قديمة متهالكة ... معلق بها صندوق خلف المقعد ... به بعض الأكياس النايلون ... يبدو للناظر أنه من العاملين بخدمة توصيل الطلبات للمنازل ... نظر له أحمد ساخطا "إيه إلي جاي عكس الناس و بيبسبس عشان يعدي الأول دا؟"

بعدما عبر أحمد الطريق ... و أثناء دخوله من الباب الرئيسي للمجمع ... اصطدم برجل يرتدي جلبابا ... ريفي ... بادره بقول "لامؤاخذة يابني" .. ثم انطلق راكضا في اتجاه الشارع .

شعر أحمد بالغضب ... و بدا ذلك واضحا على وجهه ... و قال له رجل أخر من هؤلاء التواقين للكلام مع أيا كان "دا شكله ضارب محفظة في ألزحمة ... و طالع يجري بيها " .. ابتسم أحمد رغما عنه للرجل ثم دلف إلى المجمع في طريقه .

دخل احمد إلى المصعد الشبيه بالحافلات العامة من حيث عدد الركاب و لكن في أقل من ربع الحجم ... أمامه سيدة تبدو في العقد الخامس أو السادس من العمر ... رغماً عنها اتكأت عليه بفعل الزحام ... وهى ممسكة بيدها شيئا لم يتبينه و لكنها بإتكائها عليه سببت به بعض الألم بجانب احمد ... قال لنفسه "ست كبيرة برضه ... خليني أنا أحسن منها" ... لاحظت السيدة أنها قد تكون متكئة على احمد فابتسمت له شاكرة ... ولكنها لم تتكبد عناء تعديل وقفتها لتعطيه مساحة اكبر للوقوف ... مما دفع احمد للشعور بالاستياء من لا مبالاتها للآخرين.

أخيرا ... وصل احمد إلى المكتب المختص بما هو قادم من اجله ... وجد به رجلا كبيرا ... يرتدي سترة قديمة نوعا ... لكنها غير بالية أو مهترئة ... نظر له الرجل دون حديث ... راسما على وجه ابتسامة مصطنعة تماما ... يكمن القول أنها ابتسامة لا أثر للابتسام فيها ... فقال احمد "الورق دا محتاج اخلصه عشان اعمل الباسبور"

*************

عاد احمد إلى منزله ... وجد بانتظاره أمه الطيبة ... سألته و هو بعد لم يغلق الباب ورائه ... "ها؟ ايه الاخبار؟ ربنا كرمك يا حبيبي و خلصت؟" ... أجابها "أه يا ماما .. الحمد لله ... بس شفت الويل ... أنا مش عارف آخرة البلد دي ايه ... الناس مابقاش عندها دم ... عكننة في الشارع و في المجمع ... رجالة و ستات ... كبار و صغيرين ... ربنا يستر علينا بجد" ... ابتسمت الأم في حنان قائلة "احمد ربنا أنها عدت على خير" ... ابتسم احمد بدوره قائلا "عندك حق ... المهم كده ممكن أقدم على الفيزا و أسافر مع حسين و ياسر"

******************

ربط فتى توصيل الطلبات دراجته بعامود نور بجانب بناية قديمة ... في منطقة شعبية ... و صعد في سلالم البناية المكسور معظمها ... و دلف إلى شقة بالدور الثاني ... فوجد بداخلها والده الكفيف جالسا مع إخوته الصغار ما بين مستذكرا لدروسه و متسليا بلعبة بلاستيكية رخيصة ... قال "سلامه عليكو يا حاج ... معلش اتاخرت عليك ... وصلت طلبات المحل و جبت طلبات الجامعة و اشتريت الغدا ... الدنيا زحمة أوي ... أنا أسف" ... ابتسم الأب مداريا حزنه قائلا "ولا يهمك يا حمادة ... كفاية تعبك عشاننا كلنا" ... ابتسم حمادة في حنان صادق "يابا مافيش تعب ... ان شاء الله أتخرج السنادي و ألاقي شغلانة كويسة و اخلص من الدراسة و الشغل اللي في وقت واحد دول"

***********************

نظر رجل وقور إلى الطريق أمامه أثناء قيادته لسياراته الفارهة ... قال لزوجته "أنا مش مصدق بجد ... المحفظة كان فيها حوالي 3000 جنيه ... هو حتى لو مافتحهاش ... باين عليها انها مليانة من تخنها ... سألته بيشتغل ايه قاللي من الي بيلمعوا الجزم في المجمع ... مارضيش ياخد ولا مليم مع انه فضل يجري ورايا اشارتين عشان يديني المحفظة" ... قالت الزوجة ضاحكاً "المال الحلال مش بيضيع" ... لم يبتسم لدعابتها و قال "دا شكله في عرض 30 جنيه مش 3000 جنيه" ... أوقف السيارة في إشارة مرورية مزدحمة و نظر لزوجته و قال "لسه في ناس كده؟!" ... قالت الزوجة و هي تشير إلى رجل مرور يساعد سيدة مسنة في عبور الطريق آخذاً بذراعها كأنها أمه "الحمد لله ... مصر لسه بخير يا طارق"

*********************

دخلت امرأة شابة أحد مكاتب المجمع ... ونظرت بعتاب حنون للسيدة التي كانت بالمصعد مع أحمد قائلة "يا حاجة نوال ... انتي برضو جيتي لوحدك؟ مش قلتلك اعدي عليكي اخدك؟"..أجابتها الحاجة نوال "يا ثريا أنا خلاص بقالي سنين برجل واحدة و اتعودت ...العكاز خلاص بقى رجلي التانية ...لازم أجي من بدري عشان أخلص شوية شغل قبل الزحمة ...ولا عايزاني اتحجج برجلي و اعطل مصالح الناس؟"

و مدت يدها لتأخذ كوب الشاى من الساعي قائلة "تسلم ايدك يا عم إبراهيم" ثم قالت لثريا "المشكلة مش في الطريق لهنا ... المشكلة في الاصانصير الزحمة دا ... النهاردة كنت مضايقة شاب مهذب بالعكاز في جنبه ...و هو غلبان ماشتاكاش"

*************************

دخل موظف المجمع ذو الابتسامة المزيفة إلى حجرته بالمنزل بعد عودته من المجمع ... بادي على وجهه علامات الألم ... نظرت له زوجته باشفاق و قالت "يا زكي ... مش تاخد أجازة بقى؟"...أجاب "يا بهيرة ...أنا مرتبي كله كام عشان أخد أجازة و يخصموا الغيابات؟ ... وحاعمل إيه بالاجازة إذا كان مافيش تمن العلاج؟ ... أهو استحمل الشوية إللي فاضلين لحد المعاش واخد المكافأة عشان نجوز ريهام". وأدار لها ظهره ليداري ألمه عنها وقال "أنا زى الفل يا بهيرة ...ماتخافيش عليا"...لم تبتلع الكذبة البيضاء و قالت بعيون ممتلئة بالدموع .."يا زكي صحتك ...حتفضل تيجي على صحتك و تمثل الابتسامة عشان خاطرنا لحد إمتى؟"

*******************

انتهى اليوم كأي يوم أخر ... أحمد نائماً في فراشه ... يسترجع مشاهد يومه الحافل – كما يظنه – وما رآه من مضايقات ولا مبالاة – كما يعتقد – و يقول لنفسه "الناس ليه بقت وحشة كده"!!!!!

26-سبتمبر-2008

13 comments:

  1. ana ba7eb el kessa deh, bas zay ma enta 3aref moshkelty ma3a el asma2

    ReplyDelete
  2. ya Bacem el asma2 di basita, neghayarha, el mohem enak 7abit el kessa :)))

    ReplyDelete
  3. wana kaman ba7eb elkesa di awi. ba7eb tarei2et rabt ela7das wi elnas bi ba3daha fi elakher gedan .. 3agabetni awi fekret elstory eino kan fahem 7aga zaie kol elnas ma betshoef bas eli zaher odamha bas mosh bete3raf el7a2ei2a 3alashan mosh bei7ebo yet3ebo nafsohom ye3rafoha aw 3alashan mosh beib2a moqadar lehom einhom ye3rafoha

    ReplyDelete
  4. حلوة قوي فعلا،، شبه أول واحدة قرأتها من ناحية أسلوب ربط الشخصيات ببعضها، وهو أسلوب سردي مخيف في بعض الأحيان، مخيف من ناحية حجمه وصعوبته وليس جودته

    أحيانا بافكر فعلا، عن كل شخص من ألاف الأشخاص اللي احنا بنشوفهم كل يوم في الشارع دول، على الرغم من الوحش الموجود في تصرفات بعض الناس أو الإهمال إلا ان كل واحد له ظروفه وأزماته... ربنا يرحمنا كلنا!

    ReplyDelete
  5. مش فاهم قصدك بمخيف من ناحية حجمه وصعوبته مش جودته

    ReplyDelete
  6. مخيف لأنه بيجعل الواحد يفكر في كل الناس اللي حواليه، وظروفهم وعلاقتهم بالأشخاص التانيين حوالهم برضه،، مخيف لأنه بيجعلني أدرك حكمة ربنا ومدى عطمته أنه يعرف يربط بني مصائر الناس دي وبعضها، ويقدر كل شئ بمقداره عشان يبقى في تاوزن، وإن بعض البشر مهما فكروا مستحيل يوصلوا أو يدركوا مدى عظمة كل ده

    أنا التعبير بيخونني ساعات، هبقى اناقشك في الموضوع اما نتقابل ان شاء الله! :D

    ReplyDelete
  7. oh my God
    this is soooo true
    e7na fi a'3lab el aw2aat benshooof el donia men 7etta wa7da
    our own view and perception
    mesh ben7ot mobarerat we a3zar le '3erna...
    benshooof el 3amal el a'7iiir.. el tab'7a eli betet2ademlena... laken fin el '7atawat... fin mawara2 el kawaliiis...

    a2olak ser '7ateeer... sa7eee7 sa3at ketiiiir bab2a fahma eli 2odami we motafahemah we 7atalo a3zar we mobarerat we kl 7aga bas brdo mmken atdaye2, atzamar aw a7san... bas ymken 3ashan ba7awel 3ala "2ad ma2dar" ashoof el soura kamla.. fa za3ali aw dee2i mesh beytawal

    ReplyDelete
  8. حلوه قوى يا محمود تسلم ايدك بجد...و كلها حكم و مواعظ بس مين يتعظ....

    ReplyDelete
  9. 7lwaa awiii bgad wel kalam da akid bi7sal kol yoummm..lazim el wa7d yaftarid 7ossn el niaa abl ay 7aga ....n7iss bi ba3d wi kolo hayb2a tamam gamilaaa gamilaaa gammiillllllaaaaaaaaa

    ReplyDelete
  10. al shaytana al sa3'iraa :)

    ReplyDelete
  11. Amazing :D
    Khaled khalifa :)

    ReplyDelete
  12. الله بنور با محمود
    شد حيلك
    بس ابقي افتكرنا لما تاخد النوبل ان شاء الله

    Essam Nabih

    ReplyDelete
  13. قصة كتير حلوة و مؤثرة جدا"
    يا ريت الواحد يفكر الف مرة قبل ما يحكم على الناس

    ReplyDelete